فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 1285

فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع، ومن يدعي خلاف ذلك، فليعين لنا رجلا واحدًا من القرون الثلاثة الأول، التزم مذهب رجل واحد معين ولن يستطيع ذلك أبدًا، لأنه لم يقع البتة [[1] .

ثانيا: بيان اختلاف العلماء في حكم التمذهب.

التمذهب: بمعنى التزام الشخص بأقوال مذهب معين لايخرج عنها في استفتائه وعمله، اختلف العلماء في حكمه بين مانع ومبيح وموجب له.

1 -أما من منع من التمذهب: فحجته أن التمذهب بدعة نشأت بعد القرون الثلاثة المفضّلة ولم يعمل به السلف، وأنه لايوجد دليل شرعي يوجب ذلك، وأن الحق لاينحصر في قول رجل وإلا لكان معصومًا ولامعصوم في هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كل أحد ٍ بعده يؤخذ من قوله ويُترك، وأن الله تعبّدنا باتباع الحق لابقول فلان من العلماء فحيثما كان الحق اتبعناه سواء قاله فلان أو فلان، إلى آخر ما سيأتي في كلامهم. وممن قال بالمنع ابن القيم، وقال: يستفتي العامي من شاء من العلماء دون التقيد بمذهب معين، وإليك نص كلامه.

قال ابن القيم رحمه الله] هل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟، فيه مذهبان:

أحدهما: لايلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد ٍ من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة أهلها من هذه النسبة، بل لايصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لامذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حَسَبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوي إمامه وأقواله، وأما مَنْ لم يتأهل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب، لم يصر كذلك بمجرد قوله.

يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جدًا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوي المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لايتصور أن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدعُ أقوال غيره.

وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.

فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس ٍ فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابيعهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لايختلف الواجب ولايتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله، ومن صحح للعامي مذهبا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها

(1) (أضواء البيان) ج 7 ص 488 - 489

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت