تبيّن من المسألة السابقة حاجة الناس إلى الشرع في هذه الدنيا، وأنه لاطريق إلى معرفة الشرع إلا بالتعلم.
وهنا نُبين إن شاء الله تعالى أن هذا التعلم ليس اختيارًا يفعله من يشاء ويدعه من يشاء، وإنما هو واجب على كل مسلم ٍ مكلَّف (بالغ عاقل) . ووجه الوجوب أنه يحرم على المسلم أن يُقدم على قولٍ أو فعلٍ حتى يعلم حكم الله تعالى فيه، فيُقدم على مايريد على بصيرة وعلى علمٍ، فكان العلم واجبًا قبل القول والعمل. ويأتي وجوب العلم في المرتبة التالية للإيمان المجمل الذي هو أول واجب على المكلَّف، والذي هو شرط لصحة سائر الأعمال. وذلك لأن العبد أول مايُسلم إنما يجب عليه الإيمان المجمل بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وهذا الإيمان هو المعبَّر عنه بالإقرار بالشهادتين، ثم إنه يجب عليه بعد ذلك أن يتعلم من شرائع الإيمان مايجب عليه العمل به، وهو مايعرف بالإيمان المُفَصَّل، فكان العلم بذلك قنطرة بين الإيمان المجمل والإيمان المُفَصَّل. ويدل على هذا بوضوح ماأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا حين بعثه إلى اليمن، فقال له (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) [1] . فالدعاء إلى الإقرار بالشهادتين هو الإيمان المجمل، والعمل بالشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما هو الإيمان المفصل، والعلم قنطرة بينهما وهو المراد في قوله صلى الله عليه وسلم (فأعلمهم أن الله افترض عليهم) ، ومحل وجوبه بعد الإيمان المجمل وقبل الإيمان المفصل.
وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري رحمه الله في ترتيبه للموضوعات في صحيحه، فقد بدأ بكتاب بدء الوحي إشارة منه إلى أن الدين يعرف من جهة الوحي لا العقل، ثم أتبعه بكتاب الإيمان لأنه أول واجب على العبد، ثم أتبعه بكتاب العلم لأنه الوسيلة إلي معرفة شرائع الإيمان ومايجب على العبد العمل به منها، ثم أخذ في سرد شرائع الإيمان وبدأها بالطهارة فالصلاة لأنها آكد فروض العين وأول مايحاسب عليه العبد. فجعل البخاري رحمه الله العلم قنطرة بين الإيمان المجمل والإيمان المفصّل كما دلّ عليه حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. على أن هذا لايعني أن الإيمان المجمل لايشترط لصحته العلم، بل العلم شرط لصحة الإيمان، وقد قال السلف إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأن القول يراد به قول القلب وقول اللسان، ولم يختلفوا في أن قول القلب هو معرفته وتصديقه، فصارت المعرفة بما يجب الإيمان به إجمالا شرطًا لصحة الإيمان. ونذكر فيما يلي مزيدًا من الأدلة على وجوب العلم قبل القول والعمل، من الكتاب والسنة والإجماع، وهي على النحو التالي:
(1) متفق عليه، واللفظ لمسلم