فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 1285

(الرحلة للاستفتاء)

بيّنا في المسائل السابقة حكم الاستفتاء ووجوبه فيما يجب معرفة حكمه، كما بيّنا أنه يجب على المستفتي أن يتوثّق ممن يستفتيه من جهة أهليته للإفتاء، وأنه إذا تعدد المفتون المؤهلون فالمستفتي مخيّر في استفتاء من شاء منهم، أما إذا لم يجد المستفتي مفتيا مؤهلًا ببلده، فهذا موضوع هذه المسألة، والواجب عليه في هذه الحال أن يرحل إلى حيث يجد هذا المفتي، ونقيم فيما يلي الأدلة على وجوب هذه الرحلة من الكتاب والسنة ثم نذكر أقوال العلماء في ذلك.

أولا: من كتاب الله عزوجل.

1 -قول الله عزوجل (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122. فهذا نص في وجوب الرحيل للتفقه إذا لم يمكن إلا بذلك، لأن النفار والرجوع لايكون إلا برحيل، وهذا على قول من قال إن الطائفة المتفقهة هي النافرة كالشافعي وابن حزم.

2 -قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43. دلت هذه الآية على وجوب الرحلة لأجل استفتاء المفتي الموهل (أهل الذكر) وذلك بدلالة الإشارة، لأنه إذا وَجَب على الجاهل سؤال أهل الذكر فقد وَجَب عليه السَّعي إليهم حيثما كانوا سواء كانوا ببلد المستفتي أو في غير بلده فيرحل إليهم، وهذا من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب إذا كان في القدرة والاستطاعة.

ثانيا: من السنة:

1 -مارواه البخاري رحمه الله في باب (الرحلة في المسألة النازلة) في كتاب العلم من صحيحه، فقد روي بسنده عن عُقبة بن الحارث رضي الله عنه (أنه تزوَّج ابنة ً لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ماأعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(كيف وقد قيل) ؟. ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره) [1] . ودلالته على مسألتنا في ارتحال عُقبة من مكة إلى المدينة ليستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألته. قال ابن حجر رحمه الله في شرحه] «فركب» أي من مكة لأنها كانت دار إقامته. والفرق بين هذه الترجمة وترجمة «باب الخروج في طلب العلم» أن هذا أخص وذاك أعم [[2] .

2 -ومنها ما رواه البخاري أيضا - في كتاب العلم - بسنده عن عامر الشَّعبي قال: (حدثني أبو بُرْدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(ثلاثة ٌ لهم أجران: رجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة ٌ فأدَّبها فأحْسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران. ثم قال عامر: أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة) [3] . ودلالة هذا الحديث على مسألتنا في قول الشعبي (قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة) أي لأجل الاستفتاء في هذه المسألة. والشعبي من كبار التابعين بالكوفة، وكان رجل من أهل خراسان قد سأله عمن يعتق أمَتَه ثم يتزوجها، فروي له الحديث المشتمل على جواب مسألته. وقول الشعبي (قد كان يُركب ... ) يبين ماكان عليه العمل في الصدر الأول من هذه الأمة من الرحلة لأجل

(1) (حديث 88)

(2) (فتح الباري) ج 1 ص 185

(3) (حديث 97)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت