فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 1285

أي كمانع من ثبوت الحكم بالكفر، والحكم بالكفر هو كغيره من الأحكام الشرعية، الجهل المعتبر يمنع من ثبوته. وقاعدة التكفير أي قاعدة الحكم بالكفر هي نفس قاعدة الحكم في الشريعة بوجه عام - المثبتة أعلاه - ولكن مع مزيد من التفصيل، وسيأتي شرح قاعدة تكفير المعين في مبحث الاعتقاد بالباب السابع إن شاء الله، وسأقتصر هنا على ذِكر نصّها وبيان موقع الجهل منها:

ونصّ قاعدة تكفير المعين - وهو من وضعي - كالتالي:

(في أحكام الدنيا التي تجري على الظاهر، يُحكم بالكفر على شخصٍ ما بقولٍ مكفّر أو بفعل مكفر، ثبت عليه ثبوتا شرعيا، إذا توفرت شروط الحكم وانتفت موانعه في حقه، ويَحكم عليه مؤهل للحكم، ثم يُنظر:

فإن كان مقدورًا عليه في دار الإسلام استتيب وجوبًا قبل استيفاء العقوبة منه من ذوي السلطان.

وإن كان ممتنعا بشوكة أو بدار الحرب جاز لكل أحدٍ قتله وأخذ ماله بغير استتابة، وينظر في هذا إلى المصلحة والمفسدة المترتبة على ذلك، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدّم أرجحهما).

وسيأتي شرحها إن شاء الله في مبحث الاعتقاد كما ذكرت، ويتبين من هذا النص أن الجهل موقعه في موانع الحكم. وهنا مسألة: هل الجهل مانع من الحكم أم من العقوبة؟.

أي أن من قال الكفر أو فعله - كمن قال إنه لا بعث ولا حساب أو من سجد لصنم - وهو جاهل جهلا معتبرًا، فهل يمنع هذا الجهل من الحكم عليه بالكفر بما عمله، أم أنه يُحكم عليه بالكفر بعمله ويكون الجهل مانعا من معاقبته عقاب الكافر؟.

والجواب: أن هذا يختلف بحسب حال هذا الشخص في الأصل. فإن كان كافرًا في الأصل فالجهل مانع من معاقبته، وإن كان مسلما في الأصل فالجهل مانع من الحكم بكفره وبالتالي مانع من عقوبته. وهذا بيان موجز لما سبق.

1 -فمن كان كافرًا أصليا، ولكنه جاهل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم:

فحكمه أنه كافر ولا يقال إن كفره متوقف على بلوغ الدعوة إليه ورفضه لها، بل هو كافر قبل الدعوة، ولكنه لا يعاقب في الدنيا ولا يعذب في الآخرة حتى تبلغه الحجة. وفي هذا قال ابن القيم رحمه الله [الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم] [1] . والدليل على أن من لا يدين بدين الإسلام يسمى كافرًا حتى قبل بلوغ الدعوة إليه:

(أ) قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) التوبة: 6، فسّماه الله مشركا قبل سماعه كلام الله الذي هو دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسّماه الله مشركا مع جهله وعدم علمه بالدعوة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) .

(ب) قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) التغابن: 2، وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) [2] ، فليس إلا دينان: إسلام أو كفر، وإيمان أو كفر، فمن لم يكن مسلمًا فهو كافر. [3]

(1) (طريق الهجرتين) ص 413

(2) متفق عليه

(3) انظر (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم، 3/ 276 - 285

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت