بدأنا هذه المباحث بالكلام في الاعتقاد ثم الاعتصام - في المبحثين الأول والثاني - لأهمية تعلم الاعتقاد والمنهج الصحيحين قبل تعلم ماعداهما، فلا خير يرجى لمن كان على شرك أو بدعة أو ضلالة لفساد في اعتقاده أو اتِّباعِه.
ثم تحدثنا عن علوم الكتاب والسنة - في المبحثين الثالث والرابع - لأنهما العلمان الأساسيان اللذان تبني عليهما بقية العلوم الشرعية.
وقد ذكرنا في أقسام العلوم الشرعية - في الفصل الأول من هذا الباب - أن هناك علومًا وضعها العلماء لضبط فهم العلوم الأساسية ولضبط الاستنباط منها، وهذه هي علوم الوسائل، وهي أربعة: علوم القرآن وعلوم الحديث دراية وعلوم اللغة العربية وأصول الفقه. وقد ذكرنا مايتعلق بدراسة علوم القرآن في المبحث الثالث، كما ذكرنا مايتعلق بدراسة علوم الحديث دراية في المبحث الرابع، وفي هذا المبحث نذكر مايتعلق بدراسة علوم اللغة العربية، ثم نذكر مايتعلق بدراسة أصول الفقه في المبحث التالي إن شاء الله تعالى. وقد رتبنا علوم الوسائل الأربعة بهذا الترتيب لمناسبة تقديم علوم القرآن والحديث لدراسة العلوم الأساسية (الكتاب والسنة) . ثم قدّمنا علوم اللغة على أصول الفقه لأن كثيرًا من مباحث الأصول كالدلالات والمعاني هي مباحث لغوية في الأصل.
ومن هذا تتضح أهمية علوم اللغة العربية لطالب العلوم الشرعية، فاللغة وسيلة لفهم النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) ووسيلة للاستنباط الصحيح من النصوص. إذ جاءت هذه الشريعة بلسان العرب، قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الزخرف: 3، وقال تعالى (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) النحل: 103. وإذا كانت اللغة العربية وسيلة لفهم الكتاب والسنة، فإن تعلمها واجب على طلاب العلوم الشرعية، لأن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد، حتى قال الشاطبي في (الموافقات) إن المجتهد لا يلزمه الاجتهاد في شئ من علوم الوسائل إلا علوم اللغة العربية [1] .
وقال ابن خلدون رحمه الله] الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي. أركانه أربعة وهي: اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب، ونَقَلَتُها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة [[2] .
ولما قال بشر المريسي بخلق القرآن - وكان من دعاة هذه الفتنة ومن رؤوس المعتزلة ت 218 هـ - قال له علماء السنة: إنما أوتيت من العُجْمة، إذ استدل على بدعته ببعض الآيات - كآية الزخرف السابقة - ولم يفهمها على الوجه الصحيح، يراجع في هذا كتاب (الحيدة) لعبدالعزيز الكناني، وهو يشتمل على مناظرته لبشر المريسي بحضرة الخليفة العباسي المأمون.
(1) انظر (الموافقات) 4/ 114 - 118، ط دار المعرفة
(2) (مقدمة ابن خلدون) ص 545