المسألة الثالثة عشرة: الاتّباع والتقليد
أو هل يكتفى المستفتي بالتقليد المجرد أم يجب عليه طلب دليل الفتوى؟
لم يختلف العلماء في وجوب الاستفتاء على العامي حيث يجب، بل أجمعوا على ذلك، ثم اختلفوا هل يقلد المستفتي المفتي أي يقبل فتواه بدون دليل أم يطالبه بدليل الفتوى؟. فمنهم من أوجب التقليد ومنهم من أوجب الاتباع أي المطالبة بالدليل ومنهم من توسط.
ولبيان مذاهب العلماء في هذا، ندرس في هذه المسألة الموضوعات التالية:
1 -تعريف التقليد. 2 - تعريف الاتباع.
3 -القائلون بوجوب التقليد. 4 - القائلون بوجوب الاتباع.
5 -القائلون بوجوب الاتباع، مع جواز التقليد للضرورة.
6 -متى يُذَم المقلد؟
أولا: تعريف التقليد.
وفيه ثلاث مسائل:
1 -تعريف التقليد. 2 - تعريف الحجة. 3 - التقليد ليس علما.
1 -تعريف التقليد.
أ - التقليد في اللغة: هو جعل القلادة في العنق، والقلادة مايحيط بالعنق، ومنه تقليد الولاة: هو جعل الولايات قلائد في أعناقهم لكونها أمانات في أعناقهم.
ومنه تقليد الهَدْى: وهو مايُهدي للحرم بجعل قلادة في عنقه ليتميز عن غيره.
وشُبِّه بالقلادة كل ما يُتطوَّق وكل مايحيط بشئ، يُقال تقلَّد سيفه تشبيها بالقلادة وإن لم يعلقه حول عنقه [1] .
ب - التقليد في الاصطلاح: تدور تعريفات العلماء للتقليد حول معنى واحد وهو: قبول قول الغير من غير حجة أو من غير معرفة دليله.
والمقلَّد قد يكون مستفتيًا أو مفتيًا، أما المفتي المقلِّد فقد تكلمنا عنه في مراتب المفتين في الفصل السابق.
وأما المستفتي المقلِّد: فهو المستفتي الذي يقبل قول المفتي في مسألته من غير أن يعلم حجة المفتي أو دليله على فتواه، ومعنى قبول المستفتي لهذا القول اعتقاده له إن كان في المسائل الخبرية أو عمله بمقتضاه إن كان في المسائل العملية.
وسُمي هذا تقليدًا، استعارة من المعنى اللغوي، كأن المستفتي المقلِّد جعل هذا الحكم كالقلادة في عنق المفتي، أي كأنه طوَّق المفتي مافي هذا الحكم من تبعه وإثم إن كان قد غشه وجعل ذلك في عنق المفتي، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم في جواز التقليد، لأنه في حقيقته اعتقاد وعمل بغير علم.
وإليك أقوال العلماء في التعريف الاصطلاحي للتقليد وهي تدور حول ماذكرناه:
(1) قال ابن حزم رحمه الله] التقليد: مااعتقده المرء بغير برهان صح عنده، لأن بعض من دون النبي صلى الله عليه وسلم قاله [[2] .
(1) (المفردات للراغب الأصفهاني ص 411) ، و (النهاية لابن الأثير، 4/ 99) ، و (إرشاد الفحول للشوكاني، ص 246) ، و (أضواء البيان للشنقيطي، 7/ 485)
(2) (الإحكام) 6/ 60