يظهر من الأدلة المذكورة في المسألتين السابقتين أن دار الإسلام هي البلاد الخاضعة لسلطان المسلمين وحكمهم، وأن دار الكفر هي البلاد الخاضعة لسلطان الكافرين وحكمهم، وإليك أقوال العلماء في هذا:
قال ابن القيم رحمه الله] قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، ومالم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدًا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة [[1] .
وقال الإمام السَّرَخْسي الحنفي رحمه الله]عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما تصير دارهم دار الحرب بثلاث شرائط، أحدها: أن تكون متاخمة أرض الترك ليس بينها وبين أرض الحرب دار للمسلمين، والثاني: أن لايبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ولا ذمي آمن بأمانه، والثالث: أن يُظهروا أحكام الشرك فيها. وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين [[2] . فجعل الصاحبان المناط: هو الغلبة والأحكام.
ولم يعتبر العلماء الشروط التي ذكرها أبو حنيفة رحمه الله، حتى خالفه صاحباه: القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني كما ذكر السرخسي، وذكره أيضا علاء الدين الكاساني وعلل قولهما بقوله]إن كل دار مضافة إما إلى الإسلام وإما إلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام إذا طُبقت فيها أحكامه، وتضاف إلى الكفر إذا طبقت فيها أحكامه، كما تقول الجنة دار السلام والنار دار البوار، لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، ولأن ظهور الإسلام أو الكفر بظهور أحكامهما [[3] . فجعل الكاساني مناط الحكم على الدار هو نوع الأحكام المطبقة فيها.
وانتقد ابن قدامة الحنبلي أيضا شروط أبي حنيفة فقال]ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة، وعلى الإمام قتالهم فإن أبابكر الصديق رضي الله عنه قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة، ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا قاتلهم قتل من قدر عليه ويُتبع مدبرهم ويُجاز على جريحهم وتغنم أموالهم، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لاتصير دار حرب حتى تجتمع فيها ثلاثة أشياء: أن تكون متاخمة لدار الحرب لاشيء بينهما من دار الإسلام (الثاني) أن لايبقى فيها مسلم ولاذمي آمن (الثالث) أن تجري فيها أحكامهم. - قال ابن قدامة - ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب [[4] . فجعل ابن قدامة مناط الحكم على الدار نوع الأحكام الجارية فيها.
(1) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 1/ 366، ط دار العلم للملايين 1983
(2) (المبسوط) للسرخسي، ج 10 ص 114، ط دار المعرفة
(3) (بدائع الصنائع) للكاساني، 9/ 4375، ط زكريا علي يوسف
(4) (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 95