لن يكون الحديث هنا عن واجبات الإمام الشرعية كلها كنصب أئمة الصلوات، ونصب القضاة والمحتسبين، وإنما سيقتصر حديثنا هنا عن واجباته في تعليم المسلمين أمور دينهم، ومن هذه الواجبات: حفظ العلم وتدوينه، وإعداد طائفة من الأمة لتحصيل فروض الكفاية من العلم، ونصب المعلّمين لتعليم الرعية، وتصفّح أحوال المفتين والمعلمين، وإجراء الأرزاق على الفقهاء والمعلمين. كالتالى: -
1 -حفظ العلم وتدوينه:
دلَّ قيام الأئمة بحفظ العلم وتدوينه على مسئوليتهم عن هذا الأمر في كل جيل، وقد بدأ هذا الأمر بجمع الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه للقرآن، ثم قيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بتوحيد روايته. ثم قيام الخليفة عمر بن عبد العزيز - بعد ذلك - بجمع السّنة وتدوينها. فهذه الأعمال من سُنن الخلفاء الراشدين المهديين وهي واجبة الاتباع.
أ - روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: [قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خيرٌ. فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد قال أبو بكر: إنك رجلٌ شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فأجمعه. فوالله لو كلفُونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يُراجعنى حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر رضي الله عنهما. فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصارى لم أجدها مع أحد غيره (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) التوبة: 128، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه] [1] .
ب - وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يُغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: ياأمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نَرُدُّها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) [2] .
ج - وروى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم [انظر ماكان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خِفتُ درُوس العلم وذهاب العلماء، ولاتقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم] [3] .
وأبو بكر بن حزم تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها ولهذا كتب إليه، قاله ابن حجر وقال [يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ فلما خاف عمر بن عبد العزيز - وكان على رأس المائة الأولى - من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاء. وقد روى أبو نُعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ «كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه» ] [4] .
(1) (حديث 4986)
(2) (حديث 4987)
(3) كتاب العلم بصحيح البخاري - باب كيف يُقبض العلم
(4) (فتح الباري) ج 1 ص 194 - 195