المسألة الأولى: تحريم الإفتاء بالحِيَل لإسقاط الحق.
قال أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله] ليحذر أن يميل في فتياه مع المستفتي أو مع خصمه، ووجوه الميل كثيرة لاتخفى، ومنها: أن يكتب في جوابه ماهو له، ويسكت عما هو عليه وليس له أن يبتديء في مسائل الدعاوي والبينات بذكر وجوه المخالص منها. وإذا سأله أحدهم وقال: بأي شيء تندفع دعوى كذا وكذا، أو بينة كذا وكذا؟ لم يجبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه، فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع. والله أعلم [[1] .
وقال ابن القيم رحمه الله]يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخِداعهم وأحوالهم، ولاينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فَطِنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زَاغَ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرُها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم؟ فالغرُّ ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَلُ الدراهم، والثاني يُخرج زيفها كما يخرج الناقد زَيْفَ النقود. وكم من باطل يخرجه الرجلُ بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق؟ وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل؟ ومن له أدنى فطنة وخبرة لايخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبِدَع كلها وجَدها قد أخْرَجها أصحابها في قوالب مستحسنة وكَسَوْها ألفاظا يقبلها بها مَنْ لم يعرف حقيقتها - إلى أن قال -
والمقصود أنه لايحل له أن يفتي بالحيل المحرمة، ولايعين عليها، ولايدل عليها، فيضاد الله في أمره، قال الله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) آل عمران: 54 وقال تعالى (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) النمل: 50 - 51، - إلى أن قال - وقال تعالى في حق أرباب الحيل المحرمة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) البقرة: 65 - 66. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ملعون من ضَارَّ مسلما أو مكر به» وقال «لاتَرْتكبُوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال «المكر والخديعة في النار» [[2] . وقد أفاد كلام ابن القيم هذا: أن المفتي قد يفتي بالحيل قاصدًا متعمدًا، وقد يفتي بها بغير قصد منه ولكن بسبب خِداع المستفتي له بإظهاره الباطل في صورة حق ٍ فيروج ذلك على المفتي لغفلته. ومن هنا كان العلم بالواقع ومعرفة الناس من شروط المفتي كما ذكرناه في القسم الثالث من هذا الفصل.
وقال ابن القيم أيضا]لايجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولاتتبع الرُّخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فَسَقَ، وحَرُم استفتاؤه، فإن حَسُن قصدُه في حيلة جائزة لاشبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حَرَج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله تعالى نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحِنْثِ بأن يأخذ بيده ضِغْثًا فيضرب به المرأة
(1) (أدب المفتي) ص 153
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 229 - 230