أهمُ علامات العالم وطالب العلم: الحرصُ على الوقت، وكل مشتغل بالعلم غير حريص على وقته فاعلم أن علمه رقيق.
وقد كان الكلام في هذا جديرًا بالتقديم في أول هذا الفصل، لولا أن العمل لاخير فيه بغير إخلاص، فكان الكلام في الإخلاص جديرًا بالتقديم من هذا الوجه.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله [لاسبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك - أي التفقّه في الدين - إلا بعد أن يتفقّه سنين كثيرة ويخالط الفقهاء المدّة الطويلة، ويتحقق طرق القياس ويعلم مايصححه ويُفسده، ومايجب تقديمه على غيره من الأدلة] [1] .
فالمشتغلون بالعلم الشرعي إما طالب علم وهذا لايدرك بُغيته ولا يتفقه إلا بعد سنين طويلة - كما ذكر الخطيب - هذا إن هداه الله تعالى إلى السبيل الصحيح للتعلم، فكيف بمن يضل السبيل أو يتخبّط؟، وإما عالم قد تفقّه وهذا يلزمه الوقت للمحافظة على ما تعلمه حتى لاينساه، بل إن هذا واجب عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لَهُوَ أشدُّ تفصِّيا من الإبل في عُقُلِها) [2] ، فمراجعه القرآن حتى لايُنسى بحاجة إلى وقت، فكيف بغيره من العلوم؟ وكيف بمن كانت مهنته التدريس والفتوى وهو العالِم؟ فلا يقوم بهذا إلا من حرص على كل دقيقة ٍ من وقته. وهذا هو سر قولنا إن أهمَّ علامات العالم وطالب العلم: الحرص ُ على الوقت، فلا يتسنى طلب العلم والمحافظة عليه إلا بذلك.
قال الشافعي رحمه الله [صحبت الصوفية فلم استفد منهم سوى حرفين، أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك. وذكر الكلمة الأخرى: ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل] [3] .
ونذكر فيما يلي مايُعين العالم وطالب العلم على حفظ الوقت وتوفيره للاشتغال بالعلم. فمما يُعين على ذلك.
1 -الشروع في التعلم في الصِّغر: وهذا يقع على عاتق أولياء الأمور، فمن لم يُوجَّه إلى هذا في صباه يجب عليه أن يتدارك الأمر فور بلوغه، أو بعد ذلك إذا شرح الله صدره لطلب العلم، فكلما شرع في ذلك مبكرًا كان أفضل، فالتفقه بحاجة إلى سنين طويلة، والتبكير يسمح بهذا، كما أن الصغير علائقه الشاغلة قليلة فيكون فارغ القلب والوقت وهذا أكبر عون على طلب العلم، وسيأتي الكلام في التعلم في الصغر وأهميته في آداب طالب العلم إن شاء الله.
2 -تقليل العلائق الشاغلة: بترك كل ما يشغل الوقت مما يمكن أن يستغنى عنه العبد ولايحتاج إليه حاجة حقيقية، وسنشرح هذا بالتفصيل فيما يلي عقب تعداد مايعين على حفظ الوقت إن شاء الله.
3 -ترجيح الاشتغال بالعلم على الاشتغال بالنوافل القاصرة، وسيأتي شرحه كذلك.
4 -قراءة سيَر العلماء الصالحين، للاقتداء بهم في هديهم وسيرتهم الحسنة وحرصهم على طلب العلم، وهذا موجود بكتب التراجم وكتب الطبقات والتاريخ.
5 -تنظيم الوقت وحسن استغلاله، فلا يدع ساعة تمر عليه إلا في درس أو حفظ أو مراجعة، حتى وهو يسير في الطريق لحاجته يمكنه استرجاع بعض درسه وحفظه، ومما يعين على هذا المذاكرة المشتركة مع الأصحاب في طلب العلم.
6 -الاشتغال بالأهم من العلوم الشرعية: فلا يليق بطالب العلم أن يسعى في توفير الوقت ثم يضيعه في طلب مالا يفيد ومالا ينفع من العلوم. ولأهمية هذا الأمر سنفرده بمبحث مستقل فيما يأتي إن شاء الله تعالى، فإن الاشتغال بالأهم
(1) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 69
(2) متفق عليه
(3) نقلا عن (الجواب الكافي) لابن القيم، ص 184