المسألة الحادية عشرة: إذا احتمل جواب المفتي فهمًا خطأ نبَّه عليه.
قال ابن القيم رحمه الله] إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم منه من خلاف الصواب، وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد، ومثال هذا قوله صلى الله عليه وسلم «لا يُقتلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» فتأمل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقا وإن كانوا في عهدهم، فإنه لما قال «لا يقتل مؤمن بكافر» فربما ذهب الوهم إلى أن دماءهم هَدَر، ولهذا لو قتل أحدَهم مسلمٌُ لم يقتل به، فرفع هذا التوهم بقوله «ولا ذو عهدٍ في عهده» ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة عَلَى من قال: يقتل المسلم بالكافر المعاهد، وقَدَّر في الحديث: ولا ذو عهد في عهده بكافر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «لا تجلِسُوا على القبور ولا تُصلوا إليها» فلما كان نهيه عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة، وهذا بعينه مشتق من القرآن، كقوله تعالى لنساء نبيه (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) الأحزاب: 32 فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفع هذا التوهم بقوله (وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) الأحزاب: 32 ومن ذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) الطور: 21 لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة فربما توهم متوهم أن يُحط الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله (وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) الطور: 21 أي مانقصنا من الآباء شيئا من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نَحُطَّهم إلى درجتهم بنقص أجورهم - إلى أن قال - وهذا كثير جدًا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص [[1] .
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 160 - 161