إذا كنا قد بيّنا في المسألة السابقة أنه يجب على المستفتي أن يستفتي المفتي المؤهل، فإنه يترتب على هذا الوجوب وجوب بحث المستفتي عن هذا المفتي المؤهل، لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويدل على هذا الوجوب:
1 -قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43، فدلت الآية على وجوب البحث عن أهل الذكر لأجل سؤالهم، وذلك بدلالة إشارة النص.
2 -قوله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: 83، فدلت الآية على وجوب البحث عن أولي الأمر من العلماء لرد الجهالات إليهم، وذلك بدلالة إشارة النص.
3 -قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء: 58، وهذا نص عام في الأمانات كلها، ومنها بل وعلى رأسها الإفتاء في دين الله تعالى، أنه يجب معرفة أهلها لأدائها إليهم.
4 -قوله صلى الله عليه وسلم - في حديث قبض العلم - (اتخذ الناس رءوسًا جهالا فُسئِلوا فأفتوا بغير علم، فَضَلّوا وأضَلّوا) [1] .
5 -وقال محمد بن سيرين رضي الله عنه (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) [2] .
وإليك أقوال العلماء في وجوب بحث المستفتي عن المفتي المؤهل وكيفية ذلك:
1 -قال الخطيب البغدادي رحمه الله] وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم ليقصده ويؤم نحوه. فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله [[3] .
وحاصل قول الخطيب: أن طريق المستفتي إلى معرفة المفتي المؤهل يكون بسؤال العدول عن ذلك [فعليه أن يسأل من يثق بدينه ... عن أعلمهم] ، وليس بمجرد تصدي المفتي للإفتاء. إلا أن الخطيب لم يحدد عدد من يسألهم المستفتي عن المفتي، وهل يشترط التواتر في ذلك أم يكفي خبر الواحد العدل؟. وسيأتي بيان ذلك في كلام الغزالي والنووي إن شاء الله.
2 -قال أبوحامد الغزّالي رحمه الله] لايستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة أما من عرفه بالجهل فلا يسأله وفاقًا، وإن سأل من لايعرف جهله فقد قال قوم يجوز وليس عليه البحث، وهذا فاسد لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله.
فيجب على الأمة معرفة حال الرسول بالنظر في معجزته فلا يؤمن بكل مجهول يدعي أنه رسول الله، ووجب على الحاكم معرفة حال الشاهد في العدالة، وعلى المفتي معرفة حال الراوي،
وعلى الرعية معرفة حال الإمام والحاكم، وعلى الجملة كيف يسئل من يتصور أن يكون أجهل من السائل؟. فإن قيل إذا لم يعرف عدالة المفتي هل يلزمه البحث؟.
إن قلتم يلزمه البحث فقد خالفتم العادة لأن من دخل بلدة فيسأل عالم البلدة ولايطلب حجة على عدالته، وإن جوزتم مع الجهل فكذلك في العلم. قلنا من عرفه بالفسق فلا يسأله ومن عرفه بالعدالة فيسأله ومن لم يعرف حاله فليحتمل أن
(1) الحديث متفق عليه. وفيه وعيد لمن استفتى الجهال، ويدل على وجوب استفتاء العالم المؤهل ووجوب البحث عنه
(2) رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وهذا الأثر يدل على أهمية التثبت في أمر من يؤخذ عنه الدين كالعالم والمفتي
(3) ثم ذكر الخطيب قول ابن سيرين المذكور آنفا. (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 177