فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 1285

قال الله عز وجل (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون: 115 - 116.

أنكر الله تعالى على من يظن أنه خلق الخلق عبثا بلا غاية و نزّه نفسه سبحانه عن هذا الظن، فقال عز وجل (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ) أي تعالى وتقدّس عن هذا الظن، إذ لايفعل سبحانه شيئا إلا لحكمة قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين: 8.

فقد خلق الله تعالى الخلق لعبادته كما قال سبحانه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56، والعبادة هي امتثال ماشرعه الله على ألسنة رسله عليهم السلام، وهي التكليف بالأوامر والنواهي، وقد وعد الله تعالى المطيعين بالجنة، قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) النساء: 13، (وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) النساء: 14.

وقال تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) القيامة: 36، قال الشافعي رحمه الله في هذه الآية [فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السُدَى الذي لايُؤمر ولايُنهى] [1] .

والتكليف الشرعي - الذي هو مضمون العبادة - هو أمر ونهي، ويترتب على امتثالهما أو التفريط فيهما وعد أو وعيد، ولا يمكن امتثال الأمر والنهي إلا بعد معرفتهما، ومعرفتهما ليس لها طريق إلا الشرع، خلافا لمن قال إن هذا ممكن بالعقل، فإن عقول الخلق تتفاوت وقد يستحسن إنسانٌ مايستقبحه غيره، فليس لمعرفة الحق من الباطل، والخير من الشر طريق إلا الشرع.

قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الشورى: 52. ومع كونه صلى الله عليه وسلم خير بني آدم فقد أخبر الله عز وجل أنه ما كان يدري ماالكتاب ولا الإيمان قبل الوحي، فلو كان هناك أحدٌُ حريّ بمعرفة الحق من الباطل بغير الشرع لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد وصف الله تعالى وحيه وشرعه بالنور، فقال تعالى (وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء) ، وقال تعالى في آية أخرى (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) النور: 40، فدلّ على أنه ليس للإنسان نور يهتدي به ويميز به بين الحق والباطل إلا نور الشرع.

ولايعني هذا أن العقول لاقدرة لها على التمييز بين الحَسَن والقبيح، ولكنها لاتستقل بذلك، ولو استقلت العقول بذلك لاستغنى الناس عن بعثة الرسل بالشرائع، ولكان إرسالهم عبثًا، تعالى الله عن ذلك. وقد استوفى ابن القيم رحمه الله الكلام في (مسألة التحسين والتقبيح العقلي) في كتابه (مفتاح دار السعادة) بما لا مزيد عليه، وتكلم في نفس المسألة أيضا في كتابه (الصواعق المرسلة) . وحاصل المسألة أن العقل قادر على إدراك الحُسْن والقبح في كثير من الأشياء إلا أنه لايترتب على هذا وجوب أو تحريم إلا بما شرعه الله تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام، وهو مايعبر عنه العلماء بقولهم [لاحكم قبل ورود الشرع] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [ولابد من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه، والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميّز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين مايفعلونه ويتركونه] [2] .

(1) (الأم) للشافعي ج 7 ص 298، (باب إبطال الاستحسان) ، ط دار المعرفة

(2) (مجموع الفتاوى، 3/ 113 - 114)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت