قال ابن الصلاح رحمه الله] ولما ذكرناهُ هاب الفُتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين وأفاضل السَّالفين، والمخالفين، وكان أحدهم لاتمنعه شهرته بالأمانة، اضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدافع بالجواب، أو يقول: لا أدري، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري.
فروينا عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول» . وفي رواية: «مامنهم من أحدٍ يحدث بحديث إلا ود أن أخاهُ كفاهُ إياه ولايستفتي عن شيء إلا ود أن أخاهُ كفاه الفُتيا» .
وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه.
وروينا عن أبي حصين الأسدي أنه قال «إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر» . وروي عن الحسن والشعبي مثله - إلى قوله -
وقال القاضي أبو القاسم الصيمري أحد الأئمة الشافعيين، ثم أبو بكر الخطيب الحافظ الفقيه الشافعي الإمام في علم الحديث: «قل من حرص على الفتوى، وسابق إليها، وثابر عليها إلا قل توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارها لذلك غير مختار له، وماوجد مندوحة عنه، وقدر أن يحيد بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب» .
قال ذلك الصيمري أولا، ثم تلقاه عنه الخطيب فقاله في بعض تصانيفه [[1] .
ويتعلق بالتأني عند الإفتاء المسألة التالية:
(إذا أفتى في حادثة ثم استفتي في مثلها، فهل يفتي في الثانية بجواب الأولى أم يجب عليه تجديد النظر؟) . قال النووي رحمه الله]إذا أفتى في حادثة ٍ ثم حدثت مثلها فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو إلى مذهبه إن كان منتسبًا أفتى بذلك بلا نظر. وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه، فقيل: له أن يفتي بذلك والأصح وجوب تجديد النظر، ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة [[2] . والمقصود بإيراد هذه المسألة التنبيه على أهمية التأني للمفتي فقد يتجدد له مزيد علم، أو يختلف العرف عند أصحاب الحادثتين المتشابهتين، أو يكون بين الحادثتين اختلاف ٌُ دقيقٌُ لايتفطن له إلا بالتأني. وغير ذلك من الأمور التي يدركها المتأني ويذهل عنها المتعجل.
(1) (أدب المفتي) ص 74 - 84
(2) (المجموع) ج 1 ص 47