فهرس الكتاب

الصفحة 1212 من 1285

هذا الموضوع هو أيضا من الموضوعات التي تعرضت للتحريف في هذا الزمان من بعض المعاصرين تارة باسم الاجتهاد والتجديد وتارة بدعوى التسامح الديني، فنقضوا بتحريفاتهم الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.

وبداية ينبغي أن يعرف الطالب معنى أهل الذمة، وماجرى عليه العمل بشأنهم في ديار الإسلام عبر القرون الخالية حتى تم إسقاط الأحكام الخاصة بهم مع إحلال القوانين الوضعية محل أحكام الشريعة.

أولا: تعريف (أهل الذمة) .

أما عن معنى أهل الذمة، فقد قال ابن القيم رحمه الله[الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ «الذمة والعهد» يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ «الصلح» . - إلى أن قال - ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء «أهل الذمة» عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله.

بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لاتجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.

وأما المستأمن: فهو الذي يَقْدُم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رُسُل، وتجار، ومستجيرون حتى يُعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يهاجروا، ولا يُقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به ولم يعرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان] [1] . وأظن أن كلمة [ألا يهاجروا] فيها تصحيف وتحريف، ولعلها [ألا يُجاهَدوا] .

ثانيا: أحكام أهل الذمة في دار الإسلام.

وأما ما جرى عليه العمل بشأن أهل الذمة في ديار الإسلام فهو إلزامهم بدفع الجزية (وهي مبلغ من المال يدفعه الرجال البالغون منهم سنويًا) وجريان أحكام الشريعة عليهم وإلزامهم بالشروط العمرية أو العهد العمري، وذلك مقابل إقامتهم في دار الإسلام مع أمنهم على أنفسهم وأموالهم.

وقد وردت الشروط العمرية في معظم كتب الفقه المبسوطة، وننقل هنا ما قال ابن القيم رحمه الله [قال عبدالله بن الإمام أحمد: حدثني أبو شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال: حدثني عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن بن غنم: «إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينتا كنيسة، ولا فيما حولها ديرًا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ماخرب من كنائسنا ولا ماكان منها في خطط المسلمين، وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولانؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا، وألا نكتم غشًا للمسلمين، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسنا، ولانظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليبًا ولا كتابًا في سوق المسلمين، وألا نخرج باعوثًا

(1) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 2/ 475 - 476

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت