فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 1285

قد يسأل العامي مفتيا فيفتيه فلا تطمئن نفسه فيسأل غيره، فيجيبه بخلاف الأول. أو قد يستفتي العامي ويفتيه المفتي ثم يخبره أحد الثقات أن مفتيًا آخر يفتي بخلافه. أو قد يستفتي العامي ويعمل بالفتوى ثم تحدث له نفس المسألة مرة أخرى فيستفتي فقيهًا آخر فيفتيه بفتوى مخالفة للأولى.

ففي هذه الصور أو غيرها إذا اختلف على المستفتي مفتيان أو أكثر، فأفتاه كل منهم بفتوى مخالفة لما أفتى به الآخر في نفس المسألة، فما الواجب على المستفتي؟.

اختلفت أجوبة العلماء في هذا، وسنذكر أجوبتهم فيما يلي ثم نذكر مانراه صوابا إن شاء الله تعالى. ويتخرج من أجوبة العلماء ثمانية أقوال:

1 -القول الأول: يأخذ المستفتي بأغلظ القولين.

فيرجح القول بالحظر على الإباحة، ويرجح القول الأشد، لأن الحق ثقيل، ودليله قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) المزمل: 5.

2 -القول الثاني: يأخذ المستفتي بأيسر القولين.

فيأخذ بأيسرهما وأسهلهما عليه، لأن الله تعالى قال (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة:185، وقال تعالى (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ) النساء: 28، وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: 78. وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب أن يؤخذ برُخَصِهِ كما يحب أن تؤتى عزائمه) [1] .

3 -القول الثالث: يجمع بين القولين إن أمكن

ذكره الخطيب البغدادي فقال] وإذا اختلف جواب المفتين على وجهين فينبغي للمستفتي أن يجمع بين الوجهين إذا أمكنه ذلك للاحتياط والخروج من الخلاف، مثاله أن يفتيه بعض الفقهاء أن الفرض عليه في الطهارة مسح جميع رأسه ويفتيه بعضهم أنه يجزئه مسح بعض الرأس وإن قَلَّ، فإذا مسح جميعه كان مؤديا فرضه على القولين جميعا [[2] .

4 -القول الرابع: يقدم فتوى أهل الحديث على فتوى أهل الرأي.

ذكره ابن القيم عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال] يسأل أصحاب الحديث ولايسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي [[3] .

5 -القول الخامس: يسأل مفتيًا ثالثا ويعمل بفتوى من وافقه.

أي إذا أفتى الثالث مثل الأول عمل بفتوى الأول، وإذا أفتى الثالث بفتوى الثاني عمل المستفتي بفتوى الثاني. لأنه بهذا يكون قد أخذ بقول مفتيين تعاضد قولاهما، كتعدد الأدلة والرواة لزيادة غلبة الظن. فهو ترجيح بالكثرة.

6 -القول السادس: يأخذ بقول الأعلم الأورع منهما.

(1) رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما

(2) (الفقيه والمتفقه) 2/ 203

(3) (اعلام الموقعين) 4/ 205.

وننبه هنا على ماذكره ابن تيمية أن الحديث الضعيف عند أحمد هو الحسن في التقسيم المعروف الآن، لأن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف لم يوضع إلا بعد أحمد، فأول من قال به الترمذي رحمه الله (مجموع الفتاوي) 18/ 52 و 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت