اختلف العلماء في هذه المسألة بين مانع ومبيح وموجب لذكر الدليل.
1 -أما من منع من ذكر الدليل في الفتوى
فهو القاضي أبو الحسن الماوردي رحمه الله قال] لايذكر حجة ً ليفرق بين الفتيا والتصنيف، قال ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير ولصار المفتي مدرِّسًا [[1] .
وقد أنكر ابن القيم هذا القول أشد الإنكار فقال:]عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمالُ الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذِكْر قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه. وبرئ هو من عُهدة الفتوى بلا علم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولايجب الأخذ به؟ وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، فيشفي السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدًا في فتاويهم لمن تأملها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه، وعلمه يأبي أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل. ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولايذكر للجواب دليلا ولا مأخذًا، ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لايدري ماحالهم في الفتاوي، والله المستعان [[2] .
2 -وأما من أجاز ذكر الدليل في الفتوى.
فابن الصلاح، وتابعه ابن حمدان والنووي على هذا، وننقل هنا عبارة ابن الصلاح، قال رحمه الله] ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصًا واضحا مختصرًا مثل أن يسأل عن عدة الآيسة، فحسن أن يكتب في فتواه: قال الله تبارك وتعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) الطلاق: 4.
أو يسأل هل يطهر جلد الميتة بالدباغ؟ فيكتب: نعم يطهر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دُبغ فقد طهر» وأما الأقيسة وشبهها فلا ينبغي له ذكر شئ منها.
وفيما وجدناه عن الصيمري قال: لم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد، ولا وجه القياس والاستدلال، اللهم إلا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر قاض ٍ فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد، ويُلوح بالنكتة التي عليها بني الجواب، أو يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غلط فيها عنده، فيلوح بالنكتة التي أوجبت خلافه ليقيم عُذره في مخالفته.
قال ابن الصلاح: وكذلك لو كان فيما يُفتي به غُموض فحسن أن يلوح بحجته، وهذا التفصيل أولى مما سبق قريبا ذكره عن القاضي الماوردي من إطلاقه القول: بالمنع من تعرضه للإحتجاج [[3] .
3 -وأما من أوجب ذكر الدليل في الفتوى
(1) نقل هذا عنه النووي في (المجموع) ج 1 ص 52، وابن الصلاح في (أدب المفتي) ص 152
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 260
(3) (أدب المفتي) ص 151 - 152. ونقله عنه النووي في (المجموع) ج 1 ص 52، ونقله ابن حمدان في (صفة الفتوى) ص 66