علم أصول الفقه من علوم الوسائل، وكما ذكرنا في الفصل الأول من هذا الباب، فإن هذه العلوم لم تكن متميزة أو مدونة في صدر هذه الأمة لعدم الحاجة إليها حينئذ، ثم نشأت الحاجة إلى تدوين هذه العلوم لضبط نقل نصوص الكتاب والسنة ولضبط فهمها والاستنباط منها على نحو ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم منها.
قال ابن خلدون رحمه الله 808 هـ] اعلم أن هذا الفن - أي علم أصول الفقه - من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غِنْيَةٍ عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لايحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يُحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم أخِذَ معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النَّقَلَة وخبرتهم بهم. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًا قائما برأسه سمّوه أصول الفقه، وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس. ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أَمَسُّ بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهيةوالمتكلمون يجردون صور تلك المسائل على الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم [[1] .
وقد كان تدوين الفقه سابقا على تدوين الأصول، فقد اشتملت الموطآت والمصنفات الحديثية المدونة في القرن الثاني الهجري على أقوال الصحابة والتابعين في شتى فروع الفقه. أما أول ماصُنِّف في الأصول مجردًا فكانت (الرسالة) للشافعي 204 هـ، ثم - وكما قال ابن خلدون في كلامه السابق - صنّف علماء الأحناف في الأصول كما صنف المتكلمون (المعتزلة والأشاعرة) ، وهما وإن اختلفت طرائقهما في تدوين أصول الفقه إلا أن غايتهما كانت واحدة، ألا وهي وضع أسس وضوابط لفهم النصوص وللاستنباط الصحيح منها يهتدي بها العلماء المتأخرون ليسيروا على نهج العلماء المتقدمين - من الصحابة والتابعين لهم بإحسان - في الفهم والاستنباط، وهذا من وسائل حفظ الشريعة من التبديل والتحريف، لتظل وإلى يوم القيامة على ماكانت عليه في زمن السلف الصالح رسول الله عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم.
وبناء على ماسبق يمكننا القول بأنه بعدما دونه الشافعي في أصول الفقه ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم:
الأولى - وهي الأقدم - طريقة الأحناف: وهي تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه. حيث قام أصحاب هذه الطريقة باستخراج الضوابط والقواعد الأصولية بطريق الاستقراء والتتبع للأحكام الفرعية التي دونها علماء الأحناف في كتب الفقه. فجمعوا القواعد الأصولية التي اعتبرها أئمة المذهب في استنباطهم للأحكام الفقهية. فكان تدوين الأصول بهذه الطريقة تابعا لتدوين الفقه ومستنبطًا منه.
(1) (مقدمة ابن خلدون) ص 454 - 455