فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 1285

تقدم في الباب الثاني من هذا الكتاب (حكم طلب العلم) أن العلم منه ماهو فرض عين ومنه ماهو فرض كفاية. وأن فرض العين من العلم قسمان: منه مايجب تعلمه ابتداء وهى فروض العين من العبادات وما يزاوله العبد عادة من المعاملات، ومنه مايجب معرفة حكمه عند حدوثه إذا حدث وهى النوازل.

التدريس والإفتاء

فما يجب تعلمه ابتداء من فرض العين، وكذلك فرض الكفاية من العلم، فموضوعه التدريس، ويقوم به العالم المعلِّم.

وما يجب معرفة حكمه عند حدوثه وهى النوازل، فموضوعه الإفتاء، ويقوم به الفقيه المفتي. كذلك فإن من أهمل تعلم مايجب عليه عينا ابتداء فإنه يسأل المفتي عنه.

والفرق بين التدريس والإفتاء من وجهين:

الوجه الأول: من جهة علاقة الأحكام بالواقع.

فالمدرس: يذكر الأحكام مجردة، أما المفتي: فإنه ينزل الأحكام على وقائع معينة هى النازلة المسئول عن حكمها وهذا يحتاج إلى تبصر زائد عن حفظ الأحكام [1] .

والوجه الثاني: من جهة البسط والاختصار.

فالتدريس: يعتمد على بسط الموضوعات واستيعاب مسائلها وذكر أدلتها وتفنيد آراء المخالفين على وجه يحصل معه إحاطة الطالب بالموضوع واستيعابه لمسائله. وقد يكون التدريس ابتداء من المعلِّم أو جوابا على سؤال الطالب.

أما الإفتاء: فلا يكون ابتداء وإنما إجابة على السؤال فقط، وهو يعتمد على الاختصار بذكر الحكم في مسألة معينة هى النازلة المسئول عنها، فإن بَسَط المفتي الجواب وفصَّل لغير ضرورة يقتضيها السؤال أو حال السائل فقد تحوّل إلى التعليم والتدريس.

قال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله [بلغنا عن القاضي أبي الحسن الماوردي صاحب كتاب «الحاوى» ، قال: إن المفتي عليه أن يختصر جوابه فيكتفي فيه بأنه يجوز أو لا يجوز، أو حق أو باطل، ولايعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرِّق بين الفتوى والتصنيف، قال: ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير ٍ، ولصار المفتي مُدَرِّسا ً، ولكل مقام مقال] [2] .

والعالم قد يكون معلمًا في حال، وقد يكون مفتيا في حال آخر، وقد يجتمع له الحالان في المجلس الواحد.

أما مايتعلق بالتدريس من آداب تلزم العالم والمتعلم فقد سبق بيانها في الباب الرابع السابق.

وأما الإفتاء ومايتعلق به من أحكام وآداب فهو موضوع هذا الباب الخامس.

المصادر الأساسية لهذا الباب

أقدم ماوصلنا من المصنفات في أحكام المفتي والمستفتي هو كتاب (أدب المفتي والمستفتي) لأبي القاسم الصَّيْمَرِي الفقيه الشافعي المتوفي 386 هـ، وهو من شيوخ القاضي أبي الحسن الماوردي صاحب الأحكام السلطانية (ت 450 هـ) .

ثم تناول بعض أحكام المفتي والمستفتي كلا من: الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في كتابه (الفقيه والمتفقِّه) ، وأبو عمر بن عبدالبر (ت 463 هـ) في كتابه (جامع بيان العلم) .

(1) (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 179

(2) (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح، ص 141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت