وكعادته في جمع فوائد كتب المتقدمين جاء المحدِّث المشهور أبو عمرو بن الصلاح (ت 643 هـ) وجمع الفوائد التي أوردها الصَّيْمَرِي والخطيب وابن عبدالبر في كتابه (أدب المفتي والمستفتي) ، وإن كان جُلّ اعتماده على كتاب الصيمري، وزاد على مافي هذه الكتب الثلاثة المتقدمة من كلام الماوردي والجويني وغيرهما مع ترجيحه لبعض الآراء في بعض المواضع. وطبعة (أدب المفتي) لابن الصلاح التي ننقل عنها في هذا الباب مطبوعة بتحقيق الدكتور موفق بن عبدالله بن عبدالقادر، ط مكتبة العلوم والحِكمَ بالمدينة، وعالم الكتب، الطبعة الأولى 1407هـ.
وكما صار كتابُهُ (مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث) أساسا لكل من كتب بعده في هذا الفن، فتناولوه بالشرح تارة وبالاختصار تارة وبالنظم تارة أخرى. فكذلك صار كتابه (أدب المفتي والمستفتي) أساسا ً لكل من كتب بعده في هذا الفن، ولعل هذا من حُسْن نَّيتِهِ أن كَتَبَ الله تعالى لكُتَُبه القبول في المسلمين فيجري عليه مثل ثواب كل من انتفع بكتبه إلى يوم القيامة، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
وقد اعتمد على كتاب ابن الصلاح (أدب المفتي والمستفتي) ممن جاء بعده، كل من: -
1 -الإمام النووي (ت 676 هـ) حيث اختصر مسائل كتاب (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح، ولم يخرج عنها أو يخالفها إلا في القليل النادر، وأوردها في مقدمة كتابه (المجموع شرح المهذب) ج 1 ص 40 - 58 بعنوان (باب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي) طبعة دار الفكر.
2 -العلامة ابن حمدان الحنبلي (ت 695 هـ) حيث أخذ كثيرًا من مسائل كتاب (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح، وإن لم ينسبها ابنُ حمدان له، وأضاف عليها ابن حمدان مسائل خاصة باصطلاحات المذهب الحنبلي، وذلك في كتابه (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) وقد طبعه المكتب الإسلامي (ط 4، سنة 1404هـ) .
3 -شيخ الإسلام ابن تيمية (728 هـ) نقل في (مسودة الأصول) مسائل عن ابن الصلاح مثل أقسام المفتين.
4 -الإمام ابن القيم (ت 751 هـ) . أخذ ابن القيم معظم مسائل كتاب ابن الصلاح وبعض المسائل عن ابن حمدان وعن ابن عبدالبر. وخلافا للنووي وابن حمدان لم يكتف ابن القيم بالنقل المجرد عن ابن الصلاح بل ناقش وانتقد ورجَّح، وأضاف الكثير من عنده. وقد أورد هذه المسائل ضمن الجزء الرابع من كتابه اعلام الموقعين ص 157 - 266، بعنوان (فصل في فوائد تتعلق بالفتوى) ، مطبوع بتحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد.
5 -كذلك فقد نقل عن ابن الصلاح القاضي برهان الدين بن فرحون المالكي (ت 799 هـ) في كتابه (تبصرة الحكام) وإن كان كتابه في أحكام القضاء لا الإفتاء.
6 -الحافظ السيوطي 911هـ، في كتابه (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) ، وطبعته عندي ط دار الكتب العلمية 1403هـ.
فرحمة الله عليهم جميعا، وجمعنا الله وإياهم في دار الخلد والنعيم.
وبعد، فهذه المصادر هى أهم ماكُتب في أحكام المفتي والمستفتي بالإضافة إلى كتب أصول الفقه التي تفرد عادة بابا لأحكام الاجتهاد والإفتاء والتقليد.
ونحن في هذا الباب سيكون جُلّ اعتمادنا على كتاب (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح، وعلى الفصل الخاص بآداب الفتوى في اعلام الموقعين لابن القيم، هذا بالإضافة إلى بعض المصادر الأخرى التي سنذكرها إن شاء الله في مواضعها. وقد ننقل عن النووي أحيانا إذا كانت عبارته في اختصار كلام ابن الصلاح أوجز أو أوضح في بيان المراد.
أما عملنا في هذا الباب فيتركز في أمرين: