فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 1285

القسم الثالث: آداب المتعلم في دَرْسِه

تحصيل الطالب للعلم الشرعي وبلوغه منزلة مَرْضية فيه له ست دعائم، لا تغني إحداها عن غيرها، وهي:

1 -التفرغ لطلب العلم، مع طول مدة الطلب، فإن لم يفعل فحظه من العلم قليل.

2 -الصبر، فإذا تيسر له التفرغ ولم يكن له صبر فلن يُحَصِّل العلم.

3 -الاشتغال بالأهم من العلوم، فإذا تيسر له التفرغ وصبر على التعلم، ثم اشتغل بعلوم غير أساسية كالتبحر في علوم التاريخ مع إهماله للعلوم الأساسية وهي التفسير والحديث والفقه، فهذا قد أهدر عمره.

4 -إحسان اختيار مصدر العلم: فيختار من الشيوخ أفضلهم علمًا ودينًا، ومن الكتب ما أثنى عليه الثقات. فإنه إذا تفرغ وصَبَر واشتغل بالأهم ثم أساء اختيار مصدر العلم فقد يضل ويزيغ وقد يذهب شطر عمره قبل أن يهتدي للصواب.

5 -التدرج في العلم: بأن يأخذ العلم شيئا فشيئا، ولا يأخذه دفعة واحدة فيثقل عليه فينقطع عنه، وهذا هو التّدرج في الكَمّ. كذلك لا يدرس علما حتى يدرس مقدماته أو يدرس العلم الممهِّد له، وهذا هو التدرج في الكيف.

6 -الحفظ: فإن قَدْر العالم بقدر محفوظاته، ولا وزن لمن إذا احترقت كتبه ذهب علمه. والحفظ يعتمد على النباهة والذكاء والسِّن، فإذا تيسرت لرجل الدعائم الخمس السابقة وأهدر الحفظ - خاصة مع قابليته له - فهو مغبون.

وقد تكلمنا عن الدعائم الأربعة الأولى من قبل، وسوف نتكلم فيما يلي بإذن الله عن الدعامتين الخامسة والسادسة مع غيرهما من آداب المتعلم في درسه، فتكون المسائل الآتي ذكرها هى:

1 -التدرج في التعلم. 2 - الحرص على طلب الحق.

3 -الاعتناء بالحفظ. 4 - بيان ما يعين على الحفظ.

5 -أن ينصح لرفقته في طلب العلم. 6 - عدم التعجل في التصدي للإفتاء والتصنيف.

أولا - التدرج في التعلم.

المقصود من التدرج في التعلم التيسير على المتعلم والرفق به حتى يستقر العلم في نفسه شيئًا بعد شئ. والتيسير والرفق مأمور بهما على العموم وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) [1] ، وقال صلى الله عليه وسلم (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه) [2] .

هذا على العموم، أما التدرج في التعلم على وجه الخصوص فدليله قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) الفرقان: 32، وقوله تعالى (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) الإسراء: 106. فالله تعالى لم ينزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة وإنما فرقه فنزل منجمًا على مدى ثلاث وعشرين سنة شيئا بعد شيء، ليثبت في القلوب.

فإذا ثبت أن التّدرج في التعلم صواب ومطلوب، فنقول إن التدرج نوعان: تدرج في الكمّ وتدرج في الكيف.

1 -التدرج في الكمّ ومعناه أن يدرس الطالب في كل يوم المقدار الذي يحتمله عقله ولا تملّه نفسه، وليكن هذا المقدارقليلا في البداية لتعويد النفس ثم يستزيد شيئا بعد شيء كلما تدربت نفسه على احتمال المزيد. فإن خالف هذا التدرج وأراد أخذ العلم جملة واحدة فربما انقطع ولم يحتمله عقله.

(1) متفق عليه

(2) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت