فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 1285

أيْ تشريع مايخالف شرع الله، وإذ قد تبيّن لك مما ذكرته في المسألة الثانية بهذا الموضوع أن التشريع للخلق من أفعال الله تعالى التي لا يصح التوحيد إلا بإفراده بها كما قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) يوسف: 40 وقال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26. فبناءً على ذلك يكون من شرع للناس من دون الله قد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته وألوهيته، ويكون قد نصب نفسه رَبًّا للناس وكَفَر بذلك، وبهذه الأوصاف كلها وصفه الله تعالى كما يدل عليه:

1 -قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21.

فثبت بهذا النص أن من شرع للناس ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته، ومن أطاعه في ذلك واتبع التشريع المخالف فقد أشرك بالله.

وقوله تعالى (مِّنَ الدِّينِ) أي من الطريقة المتبعة والتشريع المعمول به والنظام السائد كما بيّنته في معاني (الدِّينِ) في المقدمة الأولى بالمسألة الخامسة. وسواء كانت (مِّنَ) في قوله (( مِّنَ الدِّينِ) تبعيضية: أي شرعوا لهم بعض الدين أي بعض التشريع المخالف، أو كانت بيانية: أي شرعوا لهم دينا من الأديان الباطلة، فالأمر سواء.

وفي تفسير هذه الآية قال ابن كثير رحمه الله [وقوله جل وعلا (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) : أي هم لايتبعون ماشرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ماشرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ماحرّموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة] [1] .

وقال ابن تيمية رحمه الله [قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) . فمن ندب إلى شيء يُتَقَرَّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله] [2] .

2 -وقوله تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26.

ويقال فيها ماقيل في الآية السابقة، أن من شرع للناس ما لم يأذن به الله فقد شارك الله في تشريع الأحكام لخلقه وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، والله تعالى قد أمر أمرًا شرعيا بألا يشاركه أحد في الحكم والتشريع الذي أفرد نفسه به كما قال جل شأنه (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ) يوسف: 40، وقال (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) . وسيأتي مزيد بيان من تفسير الشنقيطي لهذه الآية بالمسألة الثامنة إن شاء الله.

3 -وقوله تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) الأنعام: 137.

وردت هذه الآية في سياق قوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا) - إلى قوله - (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) الأنعام: 136 - 140. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا

(1) (تفسير ابن كثير) 4/ 111

(2) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 267، ط المدني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت