فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 1285

رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)] [1] . ويعني ابن عباس رضي الله عنهما ما كان عليه العرب في الجاهلية من الجهل والشرك بالله. وذلك أن شركاءهم من شياطين الإنس والجن كانوا قد حللوا لهم وحرّموا عليهم ما لم يأذن به الله ومن ذلك ماكانوا عليه من قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار [2] . وأول من شرع لهم هذه الشرائع الباطلة هو عمروبن لُحي الخزاعي كما يأتي في شرح الدليل التالي إن شاء الله. والذي نستشهد به من هذه النصوص في هذا المقام هو قوله تعالى (شُرَكَآؤُهُمْ) فوصف الله تعالى من شرع للناس ما لم يأذن به الله بأنه شريك لله، كما في آيتي الشورى والكهف السابقتين، ومن جعل نفسه شريكا لله في تشريع ما لم يأذن به الله فقد كَفَر كما يدل عليه:

4 -قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) المائدة:103.

قال ابن كثير رحمه الله [قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البَحِيرة: التي يُمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيّبونها لآلهتهم لايُحمل عليها شيء، قال: وقال أبو هريرة قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قَصْبَهُ في النار كان أوّل من سيّب السوائب» ، والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنّي بعد بأنثى وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذَكَر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه وَدَعُوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل فلم يُحمل عليه شيء وسمّوه الحامي، وكذا رواه مسلم والنسائي. - إلى أن قال ابن كثير - فعمرو هذا هو ابن لُحَيّ بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جُرْهُم، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودَعَا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرّب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا) الأنعام: 136 إلى آخر الآيات في ذلك. - إلى أن قال ابن كثير - وقوله تعالى (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) المائدة: 103 أي ماشرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قُربة ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبالٌ عليهم] [3] . والذي نستشهد به من هذا النص هو حكم الله تعالى على من شرع للناس الشرائع الباطلة بأنه كافر يفتري الكذب (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) . وكذلك أكفره الله في الدليل التالي وهو:

5 -قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة: 37.

والنسئ تشريع مخالف لشريعة الله في الأشهر الحُرُم - وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم - وقد حرّم الله القتال في هذه الأشهر، فكانوا في الجاهلية إذا أرادوا القتال في شهر منها جعلوه حلالًا وحرموا بدلًا منه شهرًا آخر من أشهر الحِلّ ليواطئوا عدة ما حرم الله، أي ليوافقوا العدد الذي حرّمه الله. فبيّن الله تعالى أن هذا التشريع المخالف لشرعه هو

(1) رواه البخاري

(2) انظر (تفسير ابن كثير) 2/ 179 - 181

(3) (تفسير ابن كثير) 2/ 107 - 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت