لاينتفع العالم بعلمه مالم يعمل به، بل يبقى مذموما حتى يعمل بعلمه، فإذا عمل العبد بما تعلمه فهذا من علامات سعادته وصدقه، قال تعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) الأحزاب: 23، فجعل الله تعالى العمل مُصدِّقًا للقول، كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الحجرات: 15.
والمراد هنا بيان ما يلي:
1 -بيان أن المقصود من العلم العمل. 2 - معنى العمل بالعلم.
2 -مدح من يعمل بعلمه. 4 - ذم من لم يعمل بعلمه.
1 -بيان أن المقصود بالعلم العمل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) [1] . فدلّ الحديث على أن العبد مسئول عن العمل بما يتعلمه.
وروى ابن عبدالبر عن سفيان الثوري رحمهم الله قال: [إنما يُتعلم العلم ليُتقى به الله، وإنما فُضِّل العلم على غيره لأنه يُتقى به الله] [2] .
وقال الشاطبي رحمه الله [العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا - أعني الذي مدح اللُه ورسولُه أهلَه على الإطلاق - هو العلم الباعث علي العمل الذي لايُخلي صاحبه جاريًا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيِّد لصاحبه بمقتضاه، الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها] [3] .
2 -معنى العمل بالعلم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أسألك علما نافعا) [4] . والانتفاع بالعلم على قسمين: نفع لازم وهو أنه يعمل بعلمه في نفسه، ونفع متعد ٍ أي يتعدى نفعه إلى غيره من الناس فيعمل بعلمه في الناس. ولكل منهما مفردات.
القسم الأول: العمل بالعلم في نفسه (النفع اللازم) .
أ - وأول مايجب عليه من ذلك تصحيح اعتقاده إن كان به دَخَن، لقوله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) محمد: 19، وقال تعالى (هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) إبراهيم: 52، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فليكن أول ماتدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله) [5] . وقد سبق الكلام في هذا في بيان صفة فرض العين من العلم في الفصل الثاني من الباب الثاني.
(1) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه
(2) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 192
(3) (الموافقات) ج 1 ص 69
(4) رواه ابن حبان بإسناد حسن
(5) رواه البخاري