المسألة الرابعة عشرة: الحَلِف على ثبوت الحكم عند المفتي.
هذه المسألة متعلقة بالسابقة وفرع منها، فإن حَلفِ المفتي على ثبوت الحكم عنده صورة من صور التشديد في الفتوى.
قال ابن القيم رحمه الله] يجوز للمفتي والمناظر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حلفه موجبًا لثبوته عند السائل والمنازع، ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال له، وأنه غير شاك فيه، فقد تناظر رجلان في مسألة، فحلف أحدهما على مايعتقده، فقال له منازعة: لايثبت الحكم بحلفك، فقال: إني لم أحلف ليثبت الحكم عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن شبهتك لاتغير عندي في وجه يقيني بما أنا جازمٌُ به.
وقد أمرَ الله ُ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه، أحدها: قوله تعالى (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ) يونس: 53 والثاني: قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ) سبأ: 3. والثالث: قوله تعالى (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) التغابن: 7.
وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ماأخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعا، وهي موجودة في الصحاح والمسانيد.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لابن عباس في مُتْعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تُفْتِى به في مُتْعَة النساء، فو الله وأشهد بالله لقد نهَى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم [[1] . ثم ذكر ابن القيم أمثلة لِحَلِف الأئمة في فتاويهم وأجوبتهم من باب التوكيد، فذكر أمثلة عن الشافعي وعن أحمد رحمهما الله.
وبهذه المسألة نختم الكلام في المسائل المتعلقة بصفة الجواب، وبالله التوفيق.
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 165