وهي ذات شقين: مايجب على المستفتي، ومايجب على المفتي بالرجوع.
1 -مايجب على المستفتي إذا رجع المفتي عن فتواه.
وهذا يعتمد على علم المستفتي بالرجوع، فإذا لم يعلم استمر في عمله على القول الأول قبل الرجوع، أما إذا علم المستفتي بالرجوع، فلا يخلو حاله من حال من ثلاث:
أ - إما أنه لم يعمل بعد بالقول الأول قبل الرجوع، فقال النووي (لم يجز له العمل به)
ب - وإما أنه قد عمل بالقول الأول ومازال مستمرًا في العمل به، فقال النووي] وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع، لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده في القِبْلة في أثناء صلاته [، زاد ابن حمدان] فإنه يتحول على الأصح[.
ج - وإما أنه قد عمل بالقول الأول وفرغ من العمل، فقال النووي]وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلًا قاطعًا لزم المستفتي نقض عمله ذلك، وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لاينقض بالاجتهاد[.
ذكر النووي هذا ثم قال]وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه، وماذكره الغزَّالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه[.
وقال أبو عمرو ابن الصلاح]وإذا كان المفتي إنما يُفتى على مذهب إمام معين، فإذا رجع لكونه بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نص مذهب إمامه، فإنه يجب نقضه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد، لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل[، وقد تابع ابن الصلاح على هذا كل من النووي وابن حمدان.
وقد ذكر ابن القيم كل ماسبق ذكره في هذه المسألة وانتقده نقدًا شديدًا، خاصة الكلام الأخير لابن الصلاح، وملخص ماقاله ابن القيم أن المستفتي لايجب عليه ترك العمل بالقول الأول للمفتي - سواء كان قد عمل به أو لم يعمل به بعد - إلا إذا كان المفتي قد رجع عن هذا القول لمخالفته لنص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة لا لمجرد مخالفته لقول إمام ٍ من الفقهاء، فقال ابن القيم مانصّه]ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو، ولايعلم أحد سوغ النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما قالوا: ينقض من حكم الحاكم ماخالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: ينقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان، ويُنقض من فتوى المفتي مايُنقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوي أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة؟ ولاسيما إذا وافقت نصًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فتاوي الصحابة [.وما ذكره ابن القيم هو الصواب ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ) [1] .
ثم تكلم ابن القيم في طريق المستفتي إلى معرفة سبب رجوع المفتي عن قوله الأول، وهل هو لمخالفته لنص كتاب أو سنة أو إجماع أو لمخالفته لقول إمامه؟ فقال رحمه الله] وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لايحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي، بل يتوقف حتى يسأل غيره، فإن أفتاه بموافقة الأول استمر على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفته أحد بخلافه، حرم عليه العمل بالأول، وإن لم يكن في البلد إلا مُفت ٍ واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه، وإن رجع لخطأ بَانَ له وأن ماأفتاه به لم يكن صوابا حرم عليه العمل بالأول، هذا إذا
(1) الحديث رواه مسلم. وقد ذكرنا مافيه من دلالة من قبل