فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 1285

كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي، فإن كان رجوعه لمجرد ما بان له أن ما أفتى به خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتي ماأفتاه به أولا إلا أن تكون المسألة إجماعية [.فهذا مايجب على المستفتي إذا رجع المفتي عن فتواه[1] .

2 -ما يجب على المفتي إذا رجع عن فتواه.

وهل يلزمه إعلام المستفتي بذلك؟. قال ابن الصلاح] ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل وكذا بعد العمل حيث يجب النقض [[2] . وقوله (حيث يجب النقض) يدخل فيه - على قول ابن الصلاح - رجوع المفتي لتبيّنه مخالفة مذهب إمامه، أما ابن القيم فقد قصر وجوب النقض على مخالفة الكتاب أو السنة أو الإجماع. وإليك كلامه في هذا، قال رحمه الله]فإن قيل: فما تقولون لو تغيّر اجتهاد المفتي، فهل يلزمه إعلام المستفتي؟

قيل: اختلف في ذلك، فقيل: لايلزمه إعلامه، فإنه عمل أولًا بما يسوغ له، فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا فهو في سعة من استمراره، وقيل: بل يلزمه إعلامه، لأن مارجع عنه قد اعتقد بطلانه، وبان له أن ماأفتاه به ليس من الدين، فيجب عليه إعلامه، كما جرى لعبدالله بن مسعود حين أفتى رجلا بحل أم امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول، فرجع إلى الكوفة، وطَلب هذا الرجل، وفرق بينه وبين أهله، وكما جرى للحسن بن زياداللؤلؤي لما استفتى في مسألة فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه به، فاستأجر مناديًا ينادي أن الحسن بن زياد استفتى في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسنُ بن زياد بشيء فليرجع إليه، ثم لبث أيامًا لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب خلاف ماأفتاه به.

قال القاضي أبو يعلى في كفايته: من أفتى بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلمه. والصواب التفصيل، فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا لكونه خالف نصَّ الكتاب أو السنة التي لامعارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه إعلام المستفتي، وإن كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي. وعلى هذا تخرج قصة ابن مسعود رضي الله عنه فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة، بينوا له أن صريح الكتاب يحرمها لكون الله تعالى أبهمها فقال تعالى (وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ) النساء: 23 وظن عبدالله أن قوله (اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) النساء: 23 راجع إلى الأول والثاني، فبينوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات الربائب خاصة، فعرف أنه الحق، وأن القول بحلها خلافُ كتاب الله تعالى، ففرق بين الزوجين، ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو، والله أعلم [[3] .

هذا ما يتعلق بحكم رجوع المفتي عن فتواه ومايجب عليه وعلى المستفتي في هذا.

(1) وما ذكرناه منقول عن (أدب المفتي) لابن الصلاح ص 109 - 110، و (المجموع) للنووي ج 1 ص 51 - 52، و (صفة الفتوى) لابن حمدانصـ 30 - 31، و (اعلام الموقعين) لابن القيم ج 4 ص 222 - 224

(2) (أدب المفتي) ص 110

(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 224 - 225

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت