اعلم أن التّفقّه في الدين وتحصيل العلوم الشرعية يعتمد على سببين أساسيين: سبب وهبي أي هبة من الله تعالى، وسبب كسبي أي باكتساب العبد وسعيه، وإليك بيانهما:
السبب الأول: سبُبُ وَهْبيٌُ:
أي هبة من الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيُيَسِّر له سبيل التعلم ويشرح صدره للفهم والاستيعاب، وينفعه بعلمه، ويدل على هذا:
1 -قول الله تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) القصص: 68، فهو سبحانه يختار لكل أمر مَن يصلح له من خلقه بسابق علمه تعالى، فهو سبحانه يختار مَن يفتح عليه بالعلم. ولما كان رأس العلم الرسالات فإن الله سبحانه يختار لها صفوة خلقه كما قال تعالى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) الحج: 75، وقال تعالى (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام: 124.
2 -وقوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) الأنبياء: 78 - 79، فبيَّن الله تعالى أنه آتى كُلًا من داود وسليمان عليهما السلام العلم، ثم اختص سبحانه سليمان عليه السلام بالفهم في هذه القضية.
3 -وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يُرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين، وإنما أنا قاسمٌُ، والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) [1] . فقولهص (يفقِّهه) يدل على أن الفقه عطية ٌُ من الله تعالى وليس بكسب العبد فقط، إذ لم يقل (يَتَفَقَّه) ، وأكد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم (وإنما أنا قاسم ٌُ، والله يُعطي) أي المعطي في الحقيقة هو الله. أما قوله صلى الله عليه وسلم (ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله) فالمراد طائفة من الأمة للقيد الوارد في رواية مسلم لهذا الحديث وفيه (لاتزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله) ومن هذه الطائفة أهل الفقه المذكورون في أول الحديث. فدل هذا الحديث على إثبات الخير لمن تفقّه في دين الله، وأن ذلك لايكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لايزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله. كي لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة ٍ - كما سبق بيانه في الباب السابق - وفي الحديث بشرى لطلاب العلم رجاء أن يكونوا من أصحاب هذا الوعد المبارك فينالوا بهذا مرتبة وراثة النّبوّة.
فهذه النصوص تدل على السبب الوهبي لتحصيل العلم والتفقه في الدين.
السبب الثاني: سبب ٌُ كسْبي ٌُ
أي باكتساب العبد وسعيه وجدِّه واجتهاده في تحصيل العلم والصبر على ذلك، ويدل على هذا:
1 -قوله صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [2] .
2 -وقوله صلى الله عليه وسلم (ياأيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم) [3] .
3 -وقول الله عزوجل (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) الكهف: 66.
ومن هذا الشرح يتضح أن السبب الوهبي متعلق بالإرادة القدرية لله تعالى، وأن السبب الكسبي متعلق بالإرادة الشرعية،
(1) رواه البخاري (حديث 71)
(2) رواه ابن ماجه وصححه السيوطي
(3) رواه الطبراني وابن أبي عاصم عن معاوية رضي الله عنه، وإسناده حسن (ذكره ابن حجر، فتح الباري، 1/ 161)