وقلت سبب الورود ولم أقل سبب النزول ليدخل فيه نصوص الكتاب والسنة الواردة على أسباب، أما سبب النزول فإنه خاص بنصوص الكتاب في مصطلح أهل العلم.
وقد تبين من المقدمة السابقة أن اللفظ العام الوارد على سبب، حُكمه يعُم كل ما يشمله اللفظ ما لم يقم دليل يوجب قصر الحكم على السبب، أي أن (العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب) .
والذي يشمله اللفظ العام ثلاثة أشياء: عين السبب، وصورة السبب أي نوع السبب، وعموم اللفظ، ونضرب لها مثالا بحديث (أيما إهاب دُبغ فقد طهر) فقد قاله النبي عليه الصلاة والسلام في شاةٍ ميتة لمولاة للسيدة ميمونة رضي الله عنها، فقال (ألا انتفعتم بإهابها فدبغتموه؟) فقالوا: إنها ميتة، فقال (إنما حَرُمَ أكلها) [1] .
• فعين السبب هنا: هو الشاة الميتة لمولاة السيدة ميمونة يطهر جلدها بالدباغ.
• ونوع السبب أو صورته: هو كل شاة ميتة فيطهر جلدها بالدباغ.
• وعموم اللفظ: هو أن جلد كل حيوان يطهر بالدباغ (أيما إهاب) وخرج غير مأكول اللحم من هذا الحكم بدليل آخر.
فعين السبب ونوع السبب داخلان في حكم العموم بلا خلاف معتبر، وإنما الخلاف في عموم اللفظ، وقد تبين لك أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب. وفي دخول نوع السبب في حكم العام قال ابن تيمية رحمه الله [وليس بين الناس خلاف نعلمه أنها تعمّ الشخص الذي نزلت بسببه ومن كان حاله كحاله] [2] ، فقوله [تعم الشخص الذي نزلت بسببه] أي عين السبب، وقوله [ومن كان حاله كحاله] أي صورة السبب. وقال ابن تيمية أيضا [واللفظ العام إذا ورد على سبب فلابد أن يكون السبب مندرجًا فيه] [3] . ويعني بالسبب عينه وصورته كما يظهر من سياق كلامه، وكما يدل عليه كلامه السابق في (الصارم المسلول) .
وقال السيوطي رحمه الله - في معرفة فوائد أسباب النزول - [ومنها أن اللفظ قد يكون عامًا ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عُرِف السبب قُصِرَ التخصيص على ماعدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في «التقريب» ، ولا التفات إلى من شذَّ فجوَّز ذلك] [4] . وقوله [مَن شذّ فجوز ذلك] يشير إلى بعض الأحناف [5] . وقوله [القاضي أبو بكر] يعني الباقلاني 403 هـ، ونقل الإجماع على ذلك الغزالي أيضا في (المستصفى) 2/ 61.
وقال الشنقيطي رحمه الله [وجمهور أهل الأصول على أن صورة السبب قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق] [6] .
(1) رواه الجماعة. (نيل الأوطار) 1/ 73
(2) (الصارم المسلول) ص 33
(3) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 185، ومثله في ص 50، ومثله في (مجموع الفتاوى) 16/ 364، و 18/ 253
(4) (الاتقان في علوم القرآن) 1/ 28
(5) انظر (الإحكام) للآمدي 2/ 241
(6) (مذكرة أصول الفقه) ص 252، وله مثله في تفسيره (أضواء البيان) 7/ 430