المسألة السابعة: متى يصير فرض الكفاية من العلم فرض عين؟
يتعيّن في أحوال:
1 -إذا شرع في طلب العلم يتعين عليه الاستمرار [1] .
2 -إذا ظهر نبوغه في طلب العلم وقدرته عليه [2] .
3 -إذا لم يقم غيره بطلب العلم في محلٍ ما، تعيَّن عليه [3] .
4 -إذا أرصدته الأمة لطلب العلم، بأن يتفرغ لذلك ويُرزق عليه سواء من بيت المال أومن جماعة أو من رجل من المسلمين [4] .
وإليك أقوال ابن تيمية رحمه الله التي ذكر فيها هذه الأحوال، قال: [وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة: صورة ومعنى: مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عمومًا على الكفاية منهم، ومنه مايجب على أعيانهم وهو علم العين الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه: لكن وجوب ذلك عينًا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه أو رزقوا عليه، أعظم من وجوبه على غيرهم، لأنه واجب بالشرع عموما وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم: ويدخل في القدرة استعداد العقل، وسابقة الطلب. ومعرفة الطرق الموصلة إليه، من الكتب المصنفة، والعلماء المتقدمين، وسائر الأدلة المتعددة، والتفرغ له عما يشغل به غيرهم. ولهذا مضت السنة، بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج، يعنى أن ماحفظه من علم الدين، وعلم الجهاد ليس له إضاعته] [5] .
وقال ابن تيمية أيضا [إن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لاسيما إن كان غيره عاجزًا عنها] [6] .
هذا كلام ابن تيمية رحمه الله وقد ذكر فيه الأحوال الأربعة التي يصير فيها فرض الكفاية من العلم فرض عين. وقد خالف النووي رحمه الله في تعينه بالشروع فقال [وأصحهما لايتعين لأن الشروع لايغير المشروع فيه عندنا إلا في الحج والعمرة] [7] .
وسبب اختلاف القولين، هو اختلاف المذاهب في هذه المسألة، كما ذكره الشيخ محمد بن حسين المالكي في حاشيته على كتاب (الفروق) للقرافي، قال [النافلة والمندوبات المتأكدة مما يجب عندنا وعند السادة الأحناف خلافا للشافعية. وكذا فرض الكفاية يصير فرض عين بالشروع فيه على الأصح، حتى طلب العلم لمن ظهرت فيه قابليةٌ من نجابةٍ] [8] .
(تنبيه) ليس معنى صيرورة فرض الكفاية من العلم فرض عين، أن تُهمل بسبب الاشتغال به فروض العين الأخرى، كالجهاد إذا تعيَّن، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا تعيَّنا.
بل الواجب الجمع بين فروض العين والقيام بجميعها. فلا تُترك الصلاة بعذر أداء الزكاة أو الصوم، فالكل فرض عين، ويجب القيام بها جميعا.
فإذا تعارضت بعض الواجبات تعارضًا حقيقيًا، قدِّم المضيَّق منها على الموسَّع، وقدِّم ما يُخشى فواته على ما يمكن تداركه، كما سبق في كلام القرافي في أول المسألة السادسة. والله تعالى أعلم.
وبهذا نختم الكلام في فرض الكفاية من العلم، وهو آخر ما نذكره في (حكم طلب العلم الشرعي) وهو الباب الثاني من هذا الكتاب ثم نشرع في بيان كيف يطلب المسلم علمَ دينه في الباب التالي بإذن الله تعالى.
(1) ذكره ابن تيمية (مجموع الفتاوى، 28/ 186) وخالف فيه النووي (المجموع، 1/ 27)
(2) ذكره ابن تيمية (مجموع الفتاوى، 28/ 186)
(3) ذكره ابن تيمية (مجموع الفتاوى، 28/ 82)
(4) ذكره ابن تيمية في (مجموع الفتاوى، 28/ 176 - 187)
(5) (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 186 - 187
(6) (مجموع الفتاوى) ج 28 ص82
(7) (المجموع) ج 1 ص 27. وقول النووي (عندنا) أي عند الشافعية
(8) (الفروق للقرافي) ، هامش ص 163 ج 1، ط دار المعرفة