فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 1285

هو العلم الذي يجب على مجموع المسلمين تعلمه وحفظه، فإذا قام به بعض المسلمين بما يكفي جميع المسلمين سقط الإثم والحرج عن الجميع وكان الفضل والثواب لمن قام به، وإذا لم يقم به البعض بما يكفي أثم الجميع حتى يتأدى الواجب بما يكفي.

ويشتمل هذا العلم على تحصيل ما لابد للمسلمين منه لإقامة دينهم من العلوم الشرعية، كحفظ القرآن كله، والأحاديث وعلومها ومعرفة رواتها، والفقه والأصول والإجماع والخلاف، وأصول الاعتقاد، واللغة والنحو والصرف.

وقولنا في التعريف السابق (بما يكفي جميع المسلمين) يعني للقيام بالوظائف الفقهية كالتعليم والوعظ والفتوى والقضاء والحِسْبة بما يكفي جميع المسلمين، وبما يحفظ نقل الشريعة بالتواتر من جيل إلى جيل.

(فائدة) قول الشاطبى رحمه الله في فروض الكفاية.

قال الشاطبي رحمه الله [طلب الكفاية: يقول العلماء بالأصول إنه متوجِّه على الجميع، لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين] . وقد خالف الشاطبى في مقولة إن الخطاب بفروض الكفاية متوجِّه على الجميع فقال إن الخطاب بها متوجِّه على البعض وهم من فيهم أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما. واستدل الشاطبى على ماقال بأن فروض الكفاية كالإمامة الكبرى أو الصغرى إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس، إذ لايصح أن يُطالب بها من لا يبديء فيها ولايعيد فإنه من باب تكليف مالايُطاق بالنسبة إلى المكلّف ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة، وكلاهما باطل شرعا. وأيَّد الشاطبى كلامه بقوله [فمن ذلك ما روى عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأبي ذر: «يا أباذر إني أراك ضعيفًا وإنى أحب لك ماأحب لنفسى لاتأمَّرنَّ على اثنين ولاتولّين مال يتيم» ، وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنها. فلو فُرِضَ إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبى ذر في حرج الإهمال، ولا من كان مثله. وفي الحديث: «لا تسأل الإمارة» وهذا النهي يقتضى أنها غير عامة الوجوب] .

وبعد هذا التفصيل عاد الشاطبى ووافق علماء الأصول في مقولتهم، فقال: [لكن قد يصح أن يقال إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز، ولأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة. فهم مُطالبون بسدها على الجملة. فبعضهم قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلًا لها. والباقون - وان لم يقدروا عليها - قادرون على إقامة القادرين. فمن كان قادرًا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها. ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها. فالقادر إذًا مطلوب بإقامة الفرض. وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر. إذ لايتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب مالايتم الواجب إلا به. وبهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف فلايبقى للمخالفة وجه ظاهر] [1] .

قلت: كون فرض الكفاية واجبًا على الجميع ابتداء أو واجبا على طائفة معينة وهم المؤهلون له، مسألة خلافية عند أهل الأصول. واختار الآمدي وابن الحاجب القول الأول، واختار الرازى في (المحصول) القول الثانى وهو قول المعتزلة وهو اختيار الشاطبى هنا [2] .

والتحقيق في المسألة ماقاله الشاطبى هنا من أنه واجب على الجميع: على المؤهَّل بنفسه، وعلى غير المؤهل بتقديم المؤهل وإعانته، فإذا قام بالواجب بعض المؤهلين بأنفسهم، وأعانهم بعض غير المؤهلين بما يكفى لأداء الواجب ارتفع الحرج عن الجميع، والله أعلم.

(1) (الموافقات) ج 1 ص 176 - 179، ط دار المعرفة

(2) انظر (التمهيد) للإسنوى، ط مؤسسة الرسالة 1401 هـ ص 75

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت