فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 1285

ثالثا: كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟.

سأذكر إن شاء الله تعالى الكتب التي أوصى بها في فروع العلم في باب مستقل، وإنما أذكر هنا المباديء الثلاثة التي أشرت إليها أعلاه بشئ من التفصيل بالإضافة إلى مسألة متعلقة بأقوال العلماء. فتكون المسائل المذكورة هنا أربعا وهى: طلب الدليل الشرعى، ومعرفة الراجح من المرجوح، واتباع مذهب السلف في الاعتقاد والمنهج، ومعرفة منزلة أقوال العلماء.

1 -طلب الدليل الشرعى على صحة ما تتعلمه:

الدليل هو: الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، والأصل: الكتاب والسنة فهما حاكمان على الإجماع والقياس - وعلى غيرهما من الأدلة المختلف في حجِّيتها - بالصحة أو بالفساد، إلا أن الإجماع الصحيح حقٌ دائما إذ لاتجتمع الأمة علي ضلالة.

قال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، أي إلى الكتاب والسنة، فهما حاكمان على ماعداهما.

فما دلَّ الدليل على صحته مما تتلقاه عن المشايخ أو من الكتب فهو الحق الذي نتعبّد به وهى الشريعة التي أمرنا الله باتباعها، ومالم يشهد له الدليل فهو من الأهواء التي أمرنا الله باجتنابها، قال تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية: 18، (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) القصص: 50. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدُُّ) [1] ، فكل حكم أو قول لم يعضده الدليل فهو باطل مردود.

روى الخطيب البغدادي عن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي وَذكَر من يحمل العلم جزافا فقال [هذا مثل حاطب ليل يقطع حزمة حطب فيحملها ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لايدري قال الربيع: يعني الذين لايسألون عن الحجة من أين؟] [2] . فهذا مثل ضربه الشافعي رحمه الله لمن يأخذ العلم دون أن يتبيَّن الصواب فيه، فيقبل الأقوال دون البحث عن الدليل عليها، ويقبل الحديث دون البحث في درجته، فإذا عمل بشيء من هذا وكان خطأ كان فيه هلاكه، كمن يجمع الحطب بالليل لايُبصر ما بداخله وقد تكون به حيّة فتلدغه.

والخلاصة: أن العلم المعتبر هو مادلّ الدليل على صحته، فاحرص في طلبك للعلم على أن تطلب الدليل على صحة ما تتلقاه عن المشايخ، وأن تبحث عن الدليل على صحة ماتقرأه في الكتب، فإن فعلت ذلك هُديت إلى الحق وحُفِظت من الزيغ والضلال بإذن الله تعالى.

وتعتبر كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله من خير مايُثَبِّت هذا المنهج لدى طالب العلم، فإنهما قلما يذكران قولا إلا ويُتْبعانه بدليله، فيتعَّود الطالب - مع كثرة قراءته في كتبهما - على هذا المنهج وهو طلب الدليل على مايتعلمه، فأنصح كل طالب للعلم بالإكثار من القراءة في كتبهما. وقد التزمت بهذا المنهج في كتاباتي ولله تعالى الفضل والمنة، فلا أذكر قولا إلا واتبعه بدليله من الكتاب والسنة وقول السلف ماأمكن ذلك. ولا أغفل ذكر الدليل أحيانا إلا لوضوحه أو لأنني ذكرته في موضع آخر، وذلك لأن الحجة في كتاباتنا إنما هى فيما نذكره من أدلة، وحتى يثبت هذا المنهج لدى القاريء.

(1) رواه مسلم

(2) (الفقيه والمتفقّه) ج 2 ص 80

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت