2 -معرفة الراجح من المرجوح:
إذا طلبت الدليل على صحة ما تتلقاه من العلم، فقبِلتَ ماعضَّده الدليل ورددت مالم يدل عليه دليل. فستعرض لك بعد ذلك مرتبة أخرى من مراتب تحَرّي الحق وطلبه، وهى مرتبة التمييز بين الراجح والمرجوح من الأحكام وأقوال العلماء.
وذلك لأنه قلما توجد مسألة من مسائل الأحكام خاصة إلا وللعلماء فيها أقوال متعددة متعارضة، ولكل منهم دليله الذي يحتج به على قوله. فإذا كنت حريصا على طلب الدليل فهذه أقوال متعارضة لكل منها دليله ولايمكن العمل بها جميعا، فما الواجب في تلك الحال؟. والواجب هو الترجيح بين هذه الأقوال لمعرفة أقربها للحق وهو الراجح الذي يجب العمل به. وههنا مسائل ثلاث، وهى: -
أ - أسباب اختلاف أقوال العلماء في المسائل رغم اتباعهم للأدلة: وهذا مبحث واسع لانفصِّله هنا ولكن نحيل القارئ على ماكتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) والتي ذكر فيها عشرة أسباب لاختلاف العلماء [1] . وقد بدأ الخلاف في الأحكام منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، إذ كان عند بعض الصحابة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ماليس عند البعض الآخر، وكان كل منهم يفتي بما بلغه من العلم فوقع الخلاف، وتفرَّق الصحابة في الأمصار وانتقل اختلافهم إلى التابعين فمن بعدهم، هذا في الأحكام أما في مسائل الاعتقاد فلم يقع خلاف بين الصحابة في أي مسئلة منها بحمد الله تعالى إلا مسألة واحدة وهى هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم رَّبه ليلة المعراج أم لا؟ فيها قولان لعائشة وابن عباس رضي الله عنهم وعند التحقيق يتبيَّن أنه لاخلاف فيها وإنما اختلفت ألفاظهما. ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله.
وقد أورد البخاري رحمه الله في كتاب الاعتصام من صحيحه باب [الحُجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وماكان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام] [2] . وأورد فيه بعض الأحاديث للدلالة على أن الصحابة لم يكونوا جميعا يحضرون جميع مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ومجالسه بحيث لايخفى على أحدهم شيء من السنة، بل كان واقعهم بخلاف هذا، فكان عند بعضهم من الأحاديث ماليس عند الآخر، وكانت بعض السنن تخفى عليهم .. هذا فيما يتعلق بأسباب الاختلاف.
ب - وجوب الترجيح بين الأقوال المتعارضة ووجوب اتباع القول الراجح منها وهو أقربها إلى الحق، ويدل على ذلك قوله تعالى (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) الزمر: 55، وقوله تعالى (فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) الزمر: 17 - 18. استدل شيخ الإسلام بهذه الآيات على وجوب اتباع الراجح [3] .
وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على وجوب الترجيح بين الأدلة المتعارضة والعمل بالراجح منها، نقل هذا أبو حامد الغزالي [4]
(1) وهذه الرسالة مطبوعة مفردة، وموجودة بمجموع الفتاوي ج 20 ص 231 - 250، وقد يكون شيخ الإسلام نقل هذه الأسباب العشرة عن ابن حزم، فقد ذكرها ابن حزم بعينها في (الإحكام في أصول الأحكام) له ج 2 ص 129. ثم كتب في نفس الموضوع شاه ولي الله الدهلوي (ت 1176 هـ) رسالة (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف) وهى مطبوعة. فهذه أهم مراجع الموضوع لمن شاء أن يراجعها
(2) (فتح الباري) ج 13 ص 320
(3) (مجموع الفتاوي) ج 13 ص 114 - 115
(4) (المستصفى) ج 2 ص 394