(تمهيد) قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) التوبة: 34.
قال ابن كثير رحمه الله [قال السدِّي: الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، وهو كما قال، فإن الأحبار علماء اليهود كما قال تعالى (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) المائدة: 63، والرهبان: عُبَّاد النصارى، والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا) المائدة: 82. والمقصود التحذير من علماء السوء وعُبَّاد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فَسَد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فَسَد من عُبَّادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح «لتركبُنَّ سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» قالوا: اليهود والنصارى؟ قال «فمن؟» وفي رواية: فارس والروم؟ قال «فمن الناس إلا هؤلاء؟» والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم، ولهذا قال تعالى (لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) التوبة: 34 وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك - إلى أن قال - وقوله تعالى (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) التوبة: 34 أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ويَلْبسُون الحق بالباطل ويُظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير وليسوا كما يَزعمون بل هم دعاةٌ إلى النار ويوم القيامة لا يُنصرون] [1] .
تبين لك من الآية ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم (لتركبُنَّ سنن من كان قبلكم) الحديث، أنه لابد من وجود علماء السوء في هذه الأمة، كما قال ابن كثير [والمقصود التحذير من علماء السوء] . وإذا كان الأمر كذلك فلابد من معرفة العلامات الفارقة بين العلماء الصالحين وعلماء السوء، كما قال أبوحامد الغزالي رحمه الله [قد ذكرنا ما ورد من فضائل العلم والعلماء، وقد ورد في العلماء السوء تشديدات عظيمة دلّت على أنهم أشد الخلق عذابا يوم القيامة، فمن المهمات العظيمة معرفة العلامات الفارقةبين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء] [2] .
بعد هذا التمهيد الذي يبين خطر الموضوع، سندرس فيه مسألتان بإذن الله تعالى، وهما: أهمية معرفة هذه العلامات، ثم بيان علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء.
أولا: أهمية معرفة علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء.
1 -انتفاع العالم وطالب العلم بها في نفسه، فيعرف علامات العلماء الصالحين ليحرص على التمسك بها، ويعرف علامات علماء السوء ليحرص على اجتنابها وليطَهِّر نفسه مما قد يكون علق بها من صفاتهم
2 -إحسان اختيار المعلِّم: على النحو الذي ذكرناه في أهمية إحسان اختيار مصدر العلم، ففيه نجاة الطالب وفلاحه أو ضلاله وهلاكه. فإذا عَلِمَ طالب العلم علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء سَهُل عليه التمييز بين الفريقين، (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) الأنفال: 42.
فقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، فأمر سبحانه بالتوقف في قبول خبر الفاسق، فوجب على المسلمين معرفة حال العلماء لمعرفة من يُقبل خبره وفتواه في دين الله تعالى ممن لايُقبل خبره أو فتواه في الدين.
(1) (تفسير ابن كثير) ج 2 ص 350
(2) (إحياء علوم الدين) ج1 ص73