المسألة الرابعة: تقصير العلماء في تبليغ العلم لا يُسقط عن العامة وجوب طلبه
والدليل علي هذا:
1 -ذكر الله سبحانه كيف ضل علماء أهل الكتاب بتلبيس الحق بالباطل وكتم الحق عن أتباعهم، وكيف حّرفوا الكلم عن مواضعه، بل بدّلوا في كتبهم بما كتبوه بأيديهم، قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) آل عمران: 71، وقال تعالى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) المائدة: 41، وقال تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة: 79، وقال تعالى (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) المائدة: 63، وقال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة: 77، فدلّت الآيات على ضلال علماء أهل الكتاب، وهذا لم يدرأ الإثم عن عوامهم بل حكم الله بكفرهم جميعا علمائهم وعوامهم من قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ كان قد بقي فيهم من كان على الدين الصحيح - ولو على النّدرة - وهم حجة الله على أممهم، كما ورد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب) [1] ، وقال النووي [المقت أشد البغض، والمراد بهذا المقت والنظر ماقبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد ببقايا أهل الكتاب: الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل] [2] . وهذا كله يبيِّن أن تقصير العالم في تبليغ الحق، بل تضليل العالم للناس لايسقط عن العامى وجوب طلب الحق طالما كان هذا الطلب ممكنا.
وإذا كان الأمر كذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لودخلوا جُحرضبٍّ تبعتموهم) قلنا: يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟) [3] . قال ابن حجر [قال عياض: الشبر والذراع والطريق ودخول الجُحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمّه - إلى أن قال ابن حجر - قال ابن بطال: أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخِرَ شرٌ، والساعة لاتقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائما عند خاصة ٍ من الناس. قال ابن حجر: وقد وقع معظم ماأنذر به صلى الله عليه وسلم وسيقع بقية ذلك] [4] . وقد دل هذا الحديث على أن ما وقع لأهل الكتاب لابد أن يقع في هذه الأمة، وعلى هذا فإن المسلمين لايُعذرون في ترك السعي في طلب الحق بسبب تقصير العلماء في قول الحق أو حتى تضليلهم للناس. كما لم يُعذَر عوام أهل الكتاب بسبب تضليل علمائهم لهم، فيحرُم الركون لأمثال هؤلاء العلماء ويجب السعي في طلب الحق.
(1) رواه مسلم
(2) (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 17 ص 197 - 198
(3) متفق عليه
(4) (فتح الباري) ج 13 ص 301