فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 1285

المسألة الخامسة عشرة: هل فتوى المفتي مُلزمة للمستفتي؟

سبق أن ذكرنا في أول هذا الباب في الفروق بين المفتي والقاضي: أن فتوى المفتي غير مُلزمة للمستفتي أما حكم القاضي فمُلزم للخصوم. فهذا إلزام قضائي متعلق بالسلطان بمعنى أن المفتي لايملك أن يجبر المستفتي على العمل بفتواه، أما القاضي فيملك اجبار الخصوم على تنفيذ حكمه بالقوة إذا اقتضى الأمر ذلك. وهذا هو معنى قول ابن القيم] والقاضي يقضي قضاء معينًا على شخص معيّن، فقضاؤه خاص مُلزِم، وفتوى العالِم عامة غير مُلزمة [[1] .

وعلى هذا يمكن القول بأن فتوى المفتي غير مُلزمة للمستفتي قضاءً، ولكن هناك إلزام آخر وهو مانتكلم عنه في هذه المسألة، وهو الإلزام الدِّياني بين العبد وربه، وهو إذا أفتاه المفتي فلم يعمل بفتواه هل يأثم فيما بينه وبين الله تعالى أم لا؟ فهذا الإلزام الدياني هو موضوع هذه المسألة، أي إذا كانت فتوى المفتي غير مُلزمة للمستفتي قضاءً فهل يلزمه العمل بها ديانةً؟

وسوف نذكر أقوال العلماء في المسألة ثم نلخّص حكمها:

1 -قال القرطبي رحمه الله]فرض العامي ّ - الذي لايشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته - فيما لايعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه، أن يقصد أعلم مَنْ في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته، فيمتثل فيها فتواه، لقوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43 [[2] .

2 -وقال الآمدي رحمه الله]العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان مُحصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواه [[3] .

فقول القرطبي (فيمتثل فيها فتواه) ، وقول الآمدي (يلزمه اتباع قول المجتهدين) يدل على أنهما يريان أن فتوى المفتي ملزمة للمستفتي، هكذا أجملا القول، وهناك من فصَّل في المسألة كالنووي وابن القيم.

3 -قال النووي رحمه الله] قال الخطيب البغدادي: إذا لم يكن في الموضع الذي هو فيه إلا مفت واحد فأفتاه لزمه فتواه. وقال أبو المظفر السمعاني رحمه الله: إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، قال: ويجوز أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به، وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، قال السمعاني: وهذا أولى الأوجه. قال الشيخ أبو عمرو: لم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيّره بين أن يقبل منه أو من غيره ثم اختار هو أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده، قال الشيخ: والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه ولايتوقف ذلك على التزامه لا بالاخذ في العمل به ولابغيره ولا يتوقف أيضًا على سكون نفسه إلى صحته، وإن وجد مفت آخر فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه ما أفتاه به بناء على الأصح في تعينه كما سبق، وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ماأفتاه بمجرد افتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده، ولايعلم اتفاقهما في الفتوى فإن وجد الاتفاق أو حكم به عليه حاكم لزمه حينئذ [[4] .

(1) (اعلام الموقعين) 1/ 38

(2) (تفسير القرطبي) 2/ 212

(3) (الإحكام) 4/ 234

(4) (المجموع) ج 1 ص 56. وقد نقل ابن حمدان هذا الكلام بنصه تقريبا (صفة الفتوى) ص 81 - 82. كما نقل ابن القيم قريبًا منه (اعلام الموقعين) 4/ 264

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت