فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 1285

4 -وقال ابن القيم أيضا] لايجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحَاكَ في صَدْره من قبوله، وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَفْت نَفْسَكَ وإن أفتاك الناسُ وأفْتَوْك» فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ماأفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقْطَعُ له قطعة من نار» والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جَهْلَ المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أو لأنه معروف بالفتوى بالحِيَل والرخص المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفَتْوَاه وسكون النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة [[1] .

5 -أشار ابن الصلاح - في كلام النووي السابق - وكذلك ابن القيم إلى مسألة طمأنينة النفس كشرط لقبول الفتوى من عدمه، وهذا الكلام ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل وتقييد، خاصة مع وضوح دليل الفتوى فلا مجال لاستفتاء النفس بل يجب الرضا والتسليم، يبيّن هذا ماذكره ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح هذا الحديث.

فعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (جئت تسأل عن البر والإثم؟.) قلت: نعم. قال (استفت قلبك، البر مااطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ماحاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) [2] .

قال ابن رجب في شرحه] وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك والنفور عن ضده، وقد يدخل هذا في حديث عياض بن حمار «إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرّمت عليهم ماأحللت لهم وأمرتهم أن يُشركوا بي مالم أنزل به سلطانا» ، وقوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يُنصرانه أو يمجّسانه» الحديث - إلى أن قال ابن رجب - وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة «وإن أفتاك المفتون» يعني أن ماحاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشئ مستنكرا عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضا إثما، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرّد ظن ّ أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ماكان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قوله فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامِهِ وعلى أن من أتاه منهم يردّه إليهم. وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ

(1) (اعلام الموقعين) 4/ 254

(2) قال النووي في الأربعين: حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن أ. هـ. وقال ابن رجب ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه - إلى أن قال - وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة) (جامع العلوم والحكم) ص 219

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت