فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1285

إذا كنا قد ذكرنا في هذا الفصل أن تعليم الرعية واجب على الأئمة بالكيفية التي أشرنا إليها، فإن هذا لا يعني أن تقصير الأئمة وولاة الأمور في أداء واجبهم يُسقط عن المسلمين وجوب طلب العلم، إذ إن هذا واجب على كل فريق ٍ استقلالا، وتقصير أي فريق في أداء واجبه يوقعه في الإثم ولا يُسقط الواجب عن الفريق الآخر.

حتى أنه لو قام الأئمة بعكس الواجب عليهم، أي قاموا بتضليل الرعية وصدِّهم عن سبيل الله بدلا من تعليمهم الهدى ودين الحق، لمَا كان هذا عذرًا يرفع الحرج عن الرعية طالما كان بإمكانهم طلب الحق ومعرفته، ودليل هذا:

قول الله عز وجل (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَامُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سبأ: 31 - 33

بيَّن الله تعالى في هذه الآيات أنه لم يعذر الأتباع بل حكم عليهم بالكفر والخلود في الجحيم.

رغم أنهم كانوا مستضعفين ووصفهم الله بذلك (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) .

ورغم التضليل المستمر الذي كان يقوم به القادة والكبراء (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) .

ورغم أن القادة والكبراء كانوا يأمرونهم بالكفر ويزينونه لهم (إِذْ تَامُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ) .

رغم هذا كله لم يعذر الله الأتباع إذ قد جاءهم الهدى وعلموا أنه بخلاف ماعليه قادتهم، فكان واجبا على الأتباع تحرى الحق وطلبه وإن كان أهله موصوفين عندهم بأقبح النعوت والصفات فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مستضعفين في أقوامهم كما قال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) إبراهيم: 13، وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوصفون من أقوامهم بأقبح الصفات كما قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات: 52، وقال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) يس: 30، ورغم هذا فقد قامت الحجة بالرسل عليهم الصلاة والسلام خير قيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت