فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 1285

اعلم أنه يجوز وصف قوانين الكفار بأنها شريعتهم، وذلك لقوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21. فوصف اللهُ ما وضعه الشركاء للناس بأنه شَرْعٌ (شَرَعُوا لَهُم) ، لأن الشريعة هي الطريقة المتبعة حقًا كانت أو باطلًا، وكذلك الدين هو نظام حياة الناس حقًا كان أو باطلًا ويدل على ذلك قوله تعالى - في الآية السابقة - (شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ) سواء كانت (مِّنَ) بيانية أو تبعيضية، ويدل عليه أيضا قوله تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 6, فسمّى ماعليه الكفار من الكفر دينًا، وكذلك قال فرعون لقومه - فيما حكى الله تعالى - (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) غافر: 26، ويدل عليه أيضا قوله تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) آل عمران: 85، فبيّن سبحانه أن غير الإسلام يُسمى دينًا.

وإذا كنا قد ذكرنا في المسألة السابقة أن العلم بمحاسن الشريعة الإسلامية وفضائلها مبني على العلم بصفات من شرعها سبحانه وتعالى، فإن العلم بمفاسد القوانين الوضعية مبني كذلك على العلم بصفات هذه القوانين وصفات واضعيها، ومن صفاتها وصفاتهم:

1 -أنها شريعة الكفر: سواء في أصل وضعها، فلا خلاف في أن القوانين الوضعية مقتبسة من الكفار الإفرنج وغيرهم، أو في مصير مَنْ حَكَم بها لقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة:44.

2 -وهي شريعة الطاغوت: كما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) النساء: 60، وكل من تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت كما سبق بيانه، والطاغوت مشتق من الطغيان.

3 -وهي شريعة الشيطان: كما قال تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) الزخرف: 36، فمن لم يتبع شريعة الرحمن فهو متبع لشريعة الشيطان لا محالة، والشيطان هو الطاغوت على الحقيقة كما سبق تقريره في آخر مبحث الاعتقاد.

4 -وهي شريعة الجاهلية: كما قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة:50، فكل ماخالف حكم الله فهو حكم الجهل والجاهلية، فإنها مشتقة من الجهل. ومع ذلك فإن الكفار يُسمون أنظمة حكمهم بالعلمانية نسبة إلى العلم، فسمّوها بإسم مستحسن مخالف لحقيقتها الجاهلية وهذه خدعة إبليس في تسمية الشئ القبيح بإسم ٍ حسن لترويجه، كما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) طه: 120، فسمّاها بشجرة الخُلد وهي شجرة الحسرة والندامة.

5 -وهي شريعة الظلمات: إذ هي في الأصل شريعة الكفار وهم أهل الظلمات في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ) البقرة: 257، وبنفس الخدعة الإبليسية فإنهم يسمون حضارتهم بحضارة التنوير وثقافة التنوير وهي في الحقيقة حضارة الظلمات. قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 122، فقد زُيِّنت لهم الظلمات التي يتخبطون فيها فحسبوها نورًا، (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) غافر: 74.

6 -وهي شريعة الضلال: كما قال تعالى (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ) يونس: 32. فقد حَصَرَ الأمر في شيئين: الحق وهو شريعة الله، والضلال وهو شريعة الجاهلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت