سبق الكلام في هذه المسألة في القسم الثالث من الفصل السابق عند الكلام في (صفة المفتي وشروطه) ، وملخص ما سبق ذكره هناك:
أنه يجب على المستفتي أن يستفتي المفتي المؤهل وهو المسلم المكلف (أي البالغ العاقل) العالم العدل، حرًا كان أو عبدًا، رجلًا كان أو امرأة.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله:] أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه أن يكون بالغا لأن الصبي لاحكم لقوله. ثم يكون عاقلا، لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله. ثم يكون عدلا ثقة لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها، وسواء كان حرًا أو عبدًا لأن الحرية ليست شرطا في صحة الفتوى. ثم يكون عالما بالأحكام الشرعية [[1] .
وقال ابن الصلاح رحمه الله]أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا مُسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزها من أسباب الفسق ومُسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد. ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا. ثم ينقسم وراء هذا إلى قسمين: مستقل، وغير مستقل [[2] .
وقال ابن حمدان رحمه الله]ومن صفته وشروطه أن يكون مسلما عدلًا مكلفا فقيها مجتهدا يقظا صحيح الذهن والفكر والتصرف في الفقه ومايتعلق به.
أما اشتراط إسلامه وتكليفه وعدالته فبالإجماع، لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه، فاعتبر إسلامه وتكليفه وعدالته لتحصل الثقة بقوله، ويبني عليه كالشهادة والرواية [[3] .
وأهم هذه الشروط هما شرطا العلم والعدالة. ودليل الأول قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43، ودليل الثاني قوله تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6.
وقد سبق بيان صفة العلم الشرعي المشترط في المفتي وهو أن يبلغ درجة الاجتهاد، فإن تعذر سأل المستفتي لعدمٍ من هو دون المجتهد في العلم، على ما بيّناه في (مراتب المفتين) في الفصل السابق.
كما سبق تعريف العدالة في الباب الرابع وفي الفصل الأول من الباب الخامس، حيث نقلنا الاتفاق على جواز استفتاء معلوم العدالة، والاتفاق على المنع من استفتاء الفاسق ومجهول الحال، كما نقلنا ترجيح جواز استفتاء مستور الحال، وذلك في القسم الثالث من الفصل السابق.
قال الغزّالي رحمه الله] لايستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة [[4] .
وقال الآمدي رحمه الله]القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة - إلى قوله - واختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ٍ ولا جهالة، والحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لأنه لا نأمن أن يكون حال المسئول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول [[5] .
(1) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 156
(2) (أدب المفتي) ص 85 - 86. وقوله (مكلفًا) أي بالغ عاقل، وقوله (مستقل وغير مستقل) أي في الاجتهاد في الشريعة
(3) (صفة الفتوى) ص 13
(4) (المستصفى) ج 2 صـ390
(5) (الإحكام للآمدي، ط دار الكتاب العربي 1404 هـ، جـ4 ص 237