فهرس الكتاب

الصفحة 1138 من 1285

المسألة السابعة: ذِكر الإجماع على كُفر الحكام بغير ما أنزل الله

(تمهيد) في بيان أول ماوقع تبديل الشرع في المنتسبين إلى الإسلام.

قد تبين مما ورد في سبب نزول قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، أن اليهود أعرضوا عن حكم الله تعالى برجم الزاني المحصن واخترعوا حكمًا بديلًا عن ذلك وصار هذا الحكم المخترع هو القانون المعمول به بينهم.

وفي المنتسبين للإسلام فإن أول ما وقع هذا كان من التتار في أواخر القرن السابع الهجري كما قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله [أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ - إلى قوله - إن المسلمين لم يُبْلو بهذا قط - فيما نعلم من تاريخهم - إلا في ذلك العهد عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام] [1] . وهو كما قال.

أما انتساب التتار للإسلام: فقد وقع هذا بعد استيلائهم بقيادة هولاكو على بغداد عام 656 هـ وكانوا وثنيين، وأول من أسلم منهم هو السلطان أحمد بن هولاكو عام 680 هـ [2] . ويظهر ادعاؤهم الإسلام من الاستفتاءات الموجهة بشأنهم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ففي استفتاء منها ورد [ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين - إلى قولهم - وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم لما زعموا من اتباع أصل الإسلام] [3] ، وفي استفتاء آخر [ما تقول السادة العلماء .... في هؤلاء التتار الذين يَقْدِمون إلى الشام مرة بعد مرة، وتكلموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر] [4] . هذا من جهة انتسابهم للإسلام.

وأما حكمهم بغير ما أنزل الله مع دعواهم الإسلام: فيبيّنه قول ابن تيمية في وصفه للتتار ضمن فتواه بشأنهم، حيث قال [ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله، بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى] [5] . وقال ابن كثير [وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير] [6] . وجنكيز خان هو جَدّ هولاكو الذي استولى على بغداد.

وبعد: فقد كانت هذه هي أول مرة فيما يُعرف من تاريخ المسلمين أن ينتسب قوم إلى الإسلام ويحكمون بغير شريعته. فهي نازلة من النوازل التي ليست لها سابقة، ومع ذلك فقد أفتى فيها ابن تيمية وابن كثير ونقلا الإجماع على كفر من فعل ذلك.

1 -أما فتوى ابن تيمية، فهي ما قاله رحمه الله - ضمن فتواه في شأن التتار - قال [ومعلوم بالاضطرار من دين

(1) (عمدة التفسير) 4/ 173

(2) انظر كتاب (وثائق الحروب الصليبية والغزو المغولي) د. محمد ماهر حمادة، ص 80، ط مؤسسة الرسالة، 1986م

(3) (مجموع الفتاوى) 28/ 501 - 502

(4) (مجموع الفتاوى) 28/ 509

(5) (مجموع الفتاوى) 28/ 505

(6) (تفسير ابن كثير) 2/ 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت