ذهب بعض العلماء إلى وجوب تعلم الأصول قبل دراسة الفقه، وخالفهم آخرون فذهبوا إلى وجوبه بعد دراسة الفقه، ذكر هذا ابن حمدان، فقال: [وقد أوجب ابن عقيل وغيره تقديم معرفته على الفروع، ولهذا ذكره القاضي وابن أبي موسى وابن البنا وأبو بكر عبدالعزيز في أوائل كتبهم الفروعية، وقال أبو البقاء العُكبري: أبلغ مايتوصل به إلى إحكام الأحكام اتقان أصول الفقه وطرف من أصول الدين. لكن القاضي أوجب تقديم الفروع لتحل الدَّربة والملَكَةَ، وهو أولى إن شاء الله تعالى] [1] . والمقصود بالفروع أي الفقه، والأعلام المذكورن كلهم من فقهاء الحنابلة، و (القاضي) إذا اطلق فهو أبو يعلى الفرّاء صاحب الأحكام السلطانية، هذا عند الحنابلة.
وكما ترى فقد اختلف العلماء في تقديم دراسة الأصول على تعلم الفقه أو تأخيرها، ولكلٍ وجهة نظره وحجته ولكل قول ٍ مَزِيّته.
والذي أراه هو الجمع بين هذين القولين لتحصيل مَزية كل منهما، وهو ماأنصح به هنا، فأرى دراسة أصول الفقه مرتين على النحو التالي:
في المرتبة الثانية: يدرس الطالب الأصول باختصار قبل دراسة الفقه، ليفهم معنى بعض المصطلحات الأصولية الواردة في الفقه، وليدرك أسباب ترجيح دليل على غيره، كما يتمكن بهذا المنهج من استخراج عشرات الأمثلة من الفروع للقواعد الأصولية التي درسها ولايقف عند حد الأمثلة المضروبة في كتب أصول الفقه، كما ذكرنا في دراسة مصطلح الحديث.
أما في المرتبة الثالثة: فينبغي تقديم دراسة الأصول فيها على دراسة الفقه أيضا، ولكن بعد أن يكون الطالب قد درس الفقه في المرتبة الثانية. والهدف من دراسة الأصول في المرتبة الثالثة هو تحصيل عدة الاجتهاد ولهذا ستكون دراسة الأصول فيها مبسوطة.
والخلاصة: أن ترتيب دراسة الأصول والفقه ستكون على النحو التالي: دراسة مختصرة للأصول في المرتبة الثانية، ثم دراسة متوسطة للفقه في المرتبة الثانية، ثم دراسة مبسوطة للأصول في المرتبة الثالثة، ثم دراسة مبسوطة للفقه في المرتبة الثالثة.
(1) (صفة الفتوى) لابن حمدان، ص 14 - 15