وهنا مسألتان تنازع فيهما العلماء:
الأولى: هل العقل وحده يدرك حُسن الأشياء وقبحها، أم لا يُدرَك هذا إلا بالشرع؟ وهي المسألة المعروفة في علم أصول الفقه بمسألة (التحسين والتقبيح العقلي) .
والثانية: على قول من قال إن العقل يدرك الحُسن والقبح، فهل يعاقب الله العبد بموجب مخالفته لما يقتضيه العقل أم لا بد من بلوغ الحجة الرسالية بالرسل؟.
وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية الأقوال في هاتين المسألتين في قوله [وقد تنازع الناس في حسن الأقوال وقبحها كحسن العدل والتوحيد، والصدق، وقبح الظلم، والشرك، والكذب: هل يُعلم بالعقل أم لا يُعلم إلا بالسمع، وإذ قيل: إنه يُعلم بالعقل فهل يعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهي ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
فقالت طائفة لا يعرف ذلك إلا بالشرع لا بالعقل، وها قول نظار المجبرة كالجهم بن صفوان وأمثاله، وهو قول أبي الحسن الأشعري وأتباعه من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي بكر بن الطيب، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، وأبي الوفاء ابن عقيل وغيرهم.
وقيل: بل قد يعلم حُسن الأقوال وقُبحها بالعقل. وقال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد: وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة نفسه، وعليه عامة أصحابه، وكثير من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل الحديث كأبي الحسن التميمي، وأبي الخطاب، وأبي بكر القفال، وأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وهو قول الكرامية وغيرهم من نظار المثبتة للقدر، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نظار القدرية، ثم هؤلاء على قولين:
منهم من يقول: يستحقون عذاب الآخرة بمجرد مخالفتهم للعقل كقول: المعتزلة، والحنفية، وأبي الخطاب، وقول هؤلاء مخالف للكتاب والسنة.
ومنهم من يقول: لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول كما دل عليه الكتاب والسنة. لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما تقدم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم. قلت: إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة قال: إني مُبتلِيك ومُبتَلٍ بك ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرأه نائمًا ويقظان، فابعث جندًا أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق أنفق عليك. وقال: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين. وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانًا»
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «كل مولود يلد على الفطرة» . وفي رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسّون فيها من جَدْعاء» . ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه «اقرأوا إن شئتم: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) » . قيل: يا رسول الله أرأيت من يموت وهو صغير. قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . ومع مقت الله لهم، فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا. وهذا يدل على إبطال قول من قال إنهم لم يكونوا مسيئين، ولا مرتكبين لقبيح حتى جاء السمع. وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع إما لقيام الحجة