يتم دراسة التاريخ لتحصيل فائدة من ثلاث: تحصيل عبرة أو اكتساب خبرة أو إصدار فتوى.
1 -الفائدة الأولى: تحصيل العِبَر
وهذا ندب الله إليه الكافرين كما ندب إليه المؤمنين.
فقال تعالى - تهديدًا للكافرين - (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) غافر: 21 - 22.
وقال الله تعالى - تسلية للمؤمنين وتثبيتًا لهم - (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) هود: 120، وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) يوسف: 111، وقال تعالى (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) آل عمران: 137 - 138، وقال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) البقرة: 214.
فندب الله إلى النظر في سير السابقين من المؤمنين والكافرين، وكيف أكرم الله أهل طاعته بعدما ابتلاهم واختبرهم؟، وكيف أنزل نقمته بأهل معصيته بعدما أمدّهم بنعمته؟. كل هذا موعظة وتثبيتا للمؤمنين، وزجرًا وتخويفا للعصاة والكافرين لعلهم يتقون ولعلهم يرجعون.
قال ابن القيم رحمه الله [ومن أنفع مافي ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه. وفيه أسباب الخير والشر جميعًا مفصلة مبينة. ثم السنة، فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن غيرهما. وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا. وبعد ذلك إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ماأخبر الله به ووعد به، وعلمت من آياته في الآفاق مايدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لامحالة، فالتاريخ تفصيل لجزئيات ماعرّفنا الله ورسوله به من الأسباب الكلية للخير والشر] [1] . فهذا مايتعلق بدراسة التاريخ لتحصيل العبرة والموعظة.
2 -الفائدة الثانية: اكتساب الخبرات
دراسة التاريخ وسيلة من وسائل اكتساب الخبرات، ومن هنا تجد تدريس التاريخ العسكري جزءً أساسيا من مناهج التدريس في الكليات العسكرية، حيث يتم دراسة المعارك المختلفة ولماذا انتصر هذا وهُزم هذا؟.
وبدراسة التاريخ تعرف أسباب نهوض الأمم والدول وأسباب سقوطها وتخلفها.
وبدراسة التاريخ تعرف طبائع الشعوب والبلدان.
وغير ذلك من صور اكتساب الخبرات والتي ترجع كلها لحقيقة واحدة وهي أن التاريخ يعيد نفسه ويكرر نفسه، إذ إن أحداث التاريخ هي سنن الله الكونية القدرية، وهذه السنن ثابتة لا تتبدل كما قال الله تعالى (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ
(1) (الداء والدواء) لابن القيم، ط مكتبة المدني 1403ه، ص 30 - 31