والأصل في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقيم الحجة، ثم يبلغها عنه في حياته وبعد مماته: الواحد، العالم، العدل، المعروف، ولا يلزم أن يكون ذا سلطان إلا إذا كان سيترتب على إقامة الحجة استيفاء عقوبة في دار الإسلام. فهذه صفة من يُبلِّغ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه تقوم الحجة الرسالية، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالبلاغ عنه فقال (بلّغوا عني ولو آية) [1] ، وقال (ليبلغ الشاهد الغائب) [2] . وهذا من فروض الكفاية وقد يتعين في مواضع كما سبق في الباب الثاني.
وهذا شرح موجز لصفات من يقيم الحجة الرسالية.
1 -أما أن الحجة تقوم بخبر الواحد.
فلأن العادة والغالب أن يكون النبي فردًا واحدًا وبه تقوم الحجة على أمته.
وقد أرسل رسولنا صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك الأرض في زمانه يدعوهم إلى الإسلام، وكان رسله إليهم وُحدانًا، وبهم قامت الحجة على من أرسل إليهم، فأرسل دحية الكلبي إلى هرقل، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس بمصر، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي بالحبشة، وأرسل عمرو بن العاص إلى عبد وجيفر ابني الجلندي بعُمان، وغيرهم [3] .
وقال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122، والطائفة تقع على الواحد فما فوق، وأمر الله بقبول خبره ونذارته [4] .
وقال ابن حزم رحمه الله [واستدركنا برهانا في وجوب قبول خبر الواحد قاطعا، وهو خبر الله تعالى عن موسى عليه السلام: إذ جاءه (رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) القصص: 20 - 21 (إلى قوله تعالى(إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) القصص: 25 (إلى قوله تعالى(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) القصص: 27 إلى آخر القصة، فصدق موسى عليه السلام قول المنذر له، وخرج عن وطنه بقوله، وصوّب الله تعالى ذلك من فعله، وصدق قول المرأة إن أباها يدعوه فمضى معها، وصدق أباها في قوله إنها بنته، واستحل نكاحها وجماعها بقوله وحده، وصوب الله ذلك كله، فصح يقينا ما قلنا بأن خبر الواحد ما يضطرُّ إلى تصديقه يقينا. والحمد لله رب العالمين] [5] .
وقال ابن حزم أيضا [ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلما ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوما إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازما لهم قبوله، ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة، وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولا إلى ملك من ملوك الكفر، أو إلى أمة من أمم الكفر، يدعوهم إلى الإسلام، ويعلمهم القرآن، وشرائع
(1) رواه البخاري
(2) متفق عليه
(3) انظر (زاد المعاد) ج 3 ص 60 ومابعدها
(4) وقد أفرد البخاري رحمه الله كتابا في صحيحه لبيان حجية خبر الآحاد، وأقام فيه الأدلة على ذلك، فراجعه في (فتح الباري) ج 13 ص 231 وما بعدها
(5) (الإحكام في أصول الأحكام) 1/ 138