فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 1285

الدين ولا فرق] [1] .

واعلم أن كون خبر الواحد حجة لم يكن فيه خلاف بين السلف، وإنما هذا شيء أحدثه المبتدعة بعد ذلك لرد أحاديث الآحاد التي تبطل بدعهم، ثم تلقّاه بعض الفقهاء عن هؤلاء المبتدعة، حتى صار القول بأن خبر الواحد لا يوجب العلم هو قول [جمهور أهل الكلام وأكثر المتأخرين من الفقهاء وجماعة من أهل الحديث] كما قال ابن القيم [2] . ومعنى أنه لا يوجب العلم أنه لا يثبت به اعتقاد، وإن كان يُعمل به في الأحكام الفقهية العملية، وهذا مبني على تقسيمهم الدين إلى: أصول وهي المسائل العلمية الخبرية (العقائد) ، وفروع وهي الأحكام الشرعية العملية. وقالوا العقائد لا تثبت إلا بالقرآن أو بالسنة المتواترة، وهو قول فاسد، ويكفي في إبطاله أن الحجة قامت على الملوك بأخبار الوحدان الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والنبي كان يطلب منهم الاعتقاد وعلى رأسه الإيمان بالله وحده وعدم الاشراك به والشهادة للنبي بالرسالة، وهذه كلها من العقائد وقامت الحجة بها بخبر الواحد.

وقال ابن القيم أيضا[والذي يقضي منه العجب أنهم لا يرجعون إلى أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لا تفيد العلم، ويرجعون إلى الخيالات الذهنية والشبهات الباطلة التي تلقوها عن أهل الفلسفة والتجهم والاعتزال، ويزعمون أنها براهين عقلية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - وقد قسم الأخبار إلى تواتر وآحاد فقال بعد ذكر التواتر: - وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به أو تصديقًا له كخبر عمر بن الخطاب «إنما الأعمال بالنيات» وخبر ابن عمر «نهي عن بيع الولاء وهبته» وخبر أنس: دخل مكة وعلى رأسه المغفر، وكخبر أبي هريرة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، وكقوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وقوله: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» وقوله في المطلقة ثلاثًا «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وقوله «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» وقوله «إنما الولاء لمن أعتق» وقوله يعني ابن عمر «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى» وأمثال ذلك. فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين.

أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية، والشافعية والحنبلية مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خواز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي اسحاق الاسفرائيني وابن فورك وأبي اسحاق النظام من المتكلمين.

وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالى والغزالي وابن عقيل، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة، وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الامدي وإلى ابن الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني.

قال: وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو، والحجة على قول الجمهور، أن تلقي الأمة للخبر تصديقًا وعملًا إجماع منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة]. ثم ذكر ابن القيم أكثر من عشرين دليلًا على حجية خبر الواحد،

(1) (الإحكام) 1/ 112

(2) (مختصر الصواعق المرسلة) ص 466

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت