والدليل: قوله تعالى (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) الحجرات: 1.
وقول النبي عليه الصلاة والسلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) [1] .
فإذا قال الصحابي أو فعل مايخالف الكتاب والسنة فلا حجة في قوله أو فعله، ولايجوز الاحتجاج بقوله أو العمل به، وهو في هذا مجتهد مخطئ له أجر.
واعلم أن الإجماع قد انعقد على عدالة الصحابة جميعا، وإذا خالف أحدهم نص الكتاب أو السنة فإن هذا يرجع إلى أسباب، أهمها العشرة التي ذكرها ابن حزم، قال رحمه الله:
[أحدها: أن لا يبلغ العالم الخبر فيفتي فيه بنص آخر بلغه، كما قال عمر في خبر الاستئذان: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، ألهاني الصفق بالأسواق، وقد أوردناه بإسناده من طريق البخاري في غير هذا المكان.
وثانيها: أن يقع في نفسه أن راوي الخبر لم يحفظ وأنه وَهِمَ، كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس، وكفعل عائشة في خبر الميت يعذب ببكاء أهله، وهذا ظن لامعنى له، إن أُطلق بطلت الأخبار كلها، وإن خص به مكان دون مكان، كان تحكما بالباطل.
وثالثها: أن يقع في نفسه أنه منسوخ، كما ظن ابن عمر في آية نكاح الكتابيات.
ورابعها: أن يُغلِّب نصا على نص بأنه احوط، وهذا لامعنى له إذ لم يوجبه قرآن ولا سنة.
وخامسها: أن يغلِّب نصا على نص لكثرة العاملين به أو لجلالتهم، وهذا لامعنى له، لما قد أفسدناه قبل في ترجيح الأخبار.
وسادسها: أن يغلِّب نصا لم يصح على نص صحيح، وهو لايعلم بفساد الذي غلب.
وسابعها: أن يخصص عموما بظنه.
وثامنها: أن يأخذ بعموم لم يجب الأخذ به، ويترك الذي ثبت تخصيصه.
وتاسعها: أن يتأول في الخبر غير ظاهره بغير برهان لعلة ظنها بغير برهان.
وعاشرها: أن يترك نصا صحيحا لقول صاحب بلغه، فيظن أنه لم يترك ذلك النص إلا لعلم كان عنده.
فهذه ظنون توجب الاختلاف الذي سبق في علم الله عز وجل أنه سيكون، ونسأل الله تعالى التثبيت على الحق بمنه آمين] [2] .
وهذه الأسباب العشرة ذكرها وزاد عليها ابن تيمية في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) .
ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص بسبب عدم بلوغ النص إليه: مارواه البخاري [عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامَع الرجل امرأته فلم يُمْن؟ قال عثمان (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) قال عثمان: سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، - قال زيد بن خالد - فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب رضي الله عنهم فأمروه بذلك.] [3] . وأدرجت فيه كلمة (قال زيد بن خالد -) . فهذا الذي ذكره هذا الجمع من كبار الصحابة - من أنه لا غُسل على المجامِع إلا أن يُنزل المني - وإن كان صحيحا
(1) رواه مسلم
(2) (الإحكام) له، 2/ 129
(3) (حديث 292)