فهرس الكتاب

الصفحة 1269 من 1285

ونذكر في هذا الموضوع: وجوب معرفة الواقع، وحقيقة الواقع المعاصر، والكتب التي نوصي بدراستها في هذا الموضوع.

أولا: وجوب معرفة الواقع.

معرفة الواقع واجبة خاصة على أهل العلم المتصدرين لإفتاء الناس في نوازلهم ومُلماتهم. إذ الفتوى هي معرفة الواجب في الواقع. ومما ينبه على ذلك:

1 -ماورد في حديث قاتل المائة: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال (كان فيمن كان قبلكم رجلٌُ قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟، فقال: لا، فقتله فكمَّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على رجل ٍ عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولاترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) [1] . ألا ترى إلى معرفة هذا العالم بواقع البلدان وأن هذه بلدة صالحة وهذه أرض سوء؟، وهكذا العلماء في كل زمان ومكان يجب أن تكون لديهم مثل هذه المعرفة المُفصَّلة عن واقع البلدان من حيث الصلاح والفساد ومن حيث أحوال أهلها وحكامها، لما يترتب على ذلك من الواجبات الشرعية الجليلة كالهجرة والجهاد وأحكام الموالاة والمعاداة وغيرها، ولايجوز أن تنحصر اهتمامات أهل العلم داخل الحدود السياسية لبلدانهم، تلك الحدود التي وضعها الأعداء لتفريق المسلمين، هذا إذا اهتم أهل العلم بأحوال بلدانهم.

2 -وقال الله عزوجل (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ) الروم: 1 - 4، نزلت هذه الآيات والمسلمون بمكة قبل الهجرة، ألا ترى كيف لفت الله أنظارهم بهذه الآيات إلى واقع العالم من حولهم في زمانهم وإلى موازين القوى الدولية فيه؟، وهو مانعبر عنه بالاهتمام بالسياسة الدولية والصراعات العالمية، إذ كانت الفرس والروم هما القوتين العظميين في ذلك الوقت. وليس الاهتمام بالسياسة الدولية من باب النافلة، بل هو واجب أيضا لما يترتب عليه من واجبات أملتها عالمية هذا الدين وعموم بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إلى الخلق كافة، هذا العموم الذي ترتب عليه تقسيم الخلق إلى مؤمن وكافر، وتقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر. قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان: 1، وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف: 158.

3 -أمر آخر: وهو مانبّه عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله (مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى) [2] . هذا الحديث يدل بإشارته على وجوب معرفة أحوال المسلمين في العالم - للعموم الوارد في الحديث - وأن يهتم المسلم لما يصيب المسلمين في أي مكان، وأن يعينهم بنفسه أو بماله أو بدعائه، فمن لم يفعل ذلك فليس من هذا الجسد إذ لم يتأثر بما أصاب الجسد، وتناله صيغة (ليس منا) ، وهي صيغة وعيد ترد في حق أهل الكبائر، فدل على أن من لم يهتم بأمر المسلمين وواقعهم هو آثم عاص، هذا مايدل عليه مفهوم المخالفة لهذا الحديث، ويستفاد منه وجوب معرفة أحوال المسلمين في العالم على كل مسلم حيثما كان.

فهذه النصوص ونحوها تدل على وجوب معرفة الواقع على العالِم والعامي على السواء.

(1) الحديث متفق عليه

(2) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت