فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 1285

القسم الثالث: آداب العالم مع طُلاَّبه

يتلخص واجب العالم نحو الطلاب في أمرين: تأديبهم وتعليمهم.

أولا - واجب العلماء في تأديب الطلاب وتهذيبهم:

قال النووي رحمه الله[وينبغي أن يؤدِّب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية وتعود الصيانة في جميع أموره الكامنة والجلية

فأول ذلك أن يحرضه بأقواله وأحواله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وأن يكون دائما على ذلك حتى الممات، ويعرفه أنه بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وينشرح صدره وتتفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك له في حاله وعلمه ويوفق للإصابة في قوله وفعله وحكمه.

ويزهده في الدنيا ويصرفه عن التعلق بها والركون إليها والاغترار بها، ويذكره أنها فانية والآخرة آتية باقية والتأهب للباقي والإعراض عن الفاني هو طريق الحازمين ودأب عباد الله الصالحين.

وينبغي أن يرغبه في العلم ويذكره بفضائله وفضائل العلماء وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولا رتبة في الوجود أعلى من هذه.

وينبغي أن يحنو عليه ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده ويجريه مجرى ولده في الشفقة عليه والاهتمام بمصالحه والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في سوء أدب وجفوة تعرض منه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص.

وينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير ويكره له ما يكره لنفسه من الشر: ففي الصحيحين «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أكرم الناس عليّ جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إليّ لو استطعت ألا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وفي رواية إن الذباب يقع عليه فيؤذيني] [1] .

ثانيا - آداب العالم في تعليم الطلاب:

وقد ذكرنا كثيرًا منها في القسم السابق (آداب التدريس) كالتيسير عليهم والتدريج في تعليمهم، وألا يُلقي إليهم مالم يتأهلوا له، وألا يُملهم بكثرة الدروس ولا بطولها، وألا يدخر جهدًا في النصح لهم.

قال النووي رحمه الله [ينبغي أن لا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى له حسن النية وربما عسر في كثير من المبتدئين بالاشتغال تصحيح النية لضعف نفوسهم وقلة أنسهم بموجبات تصحيح النية فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثيرمن العلم مع أنه يرجي ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم، وقد قالوا طلبنا العلم لغيرالله فأبى الله أن يكون إلا لله، معناه كانت عاقبته أن صار لله] [2] .

وقال النووي أيضًا [وينبغي أن يكون سمحًا ببذل ما حصَّله من العلم سهلًا بإلقائه إلى مبتغيه متلطفًا في إفادته طالبيه مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات، وتحريض على حفظ ما يبذله لهم من الفوائد النفيسات، ولا يدخر عنهم من أنواع العلم شيئًا يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلا لذلك.

ولايلق إليه شيئًا لم يتأهل له لئلا يفسد عليه حاله فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يُجبه ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه وأنه لم يمنعه ذلك شحًا بل شفقة ولطفًا.

(1) (المجموع) ج 1 ص 30 -031

(2) (المجموع) ج 1 ص 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت