فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 1285

وينبغي ألا يتعظم على المتعلمين بل يلين لهم ويتواضع فقد أُمِر بالتواضع لآحاد الناس، قال تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر: 88، وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا» [1] . - إلى أن قال -

وينبغي أن يكون حريصًا على تعليمهم مهتما به مؤثرًا له على حوائج نفسه ومصالحه مالم تكن ضرورة ويرحب بهم عند إقبالهم إليه لحديث أبي سعيد السابق، ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويحسن إليهم بعلمه وماله وجاهه بحسب التيسير، ولايخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته ونحوها، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكني أصحابه إكراما لهم وتسنية لأمورهم» وينبغي أن يتفقدهم ويسأل عمن غاب عنهم.] [2] .

وقال النووي أيضا [وينبغي للمعلم أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل ويختبر بذلك أفهامَهم ويظهر فضل الفاضل ويثني عليه بذلك ترغيبا له وللباقين في الاشتغال والفكر في العلم وليتدربوا بذلك ويعتادوه، ولا يعنِّف من غلط منهم في كل ذلك إلا أن يرى تعنيفه مصلحه له، وإذا فرغ من تعليمهم أو إلقاء درس عليهم أمرهم بإعادته ليرسخ حفظهم له فإن أشكل عليهم منه شيء ما عَاوَدُوا الشيخ في إيضاحه] [3] .

وقال النووي [ومن أهم ما يؤمر به ألا يتأذى ممن يقرأ علىه إذا قرأ على غيره وهذه مصيبة يبتلى بها جهلة المعلمين لغباوتهم وفساد نيتهم، وهو من الدلائل الصريحة على عدم إرادتهم بالتعلم وجه الله تعالى الكريم، وقد قدمنا عن علي رضي الله عنه الإغلاظ في ذلك والتأكيد في التحذير منه، وهذا إذا كان المعلم الآخر أهلا فإن كان فاسقا أو مبتدعا أوكثير الغلط ونحو ذلك فليُحَذِّر من الاغترار به وبالله التوفيق.] [4] .

ومن آداب المعلم أيضا في تعليم الطلاب ما ذكره أبو حامد الغزالي رحمه الله قال [إن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه. ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير، وأن ذلك نقل محض وسماع وهو شأن العجائزولا نظر للعقل فيه، ومعلم الكلام ينفرعن الفقه ويقول: ذلك فروع وهو كلام في حيض النسوان فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن؟ فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره، وإن كان متكفلا ً بعلوم فينبغي أن يراعي التدرج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة] [5] .

ومن آداب التعليم أن يُوَجِّه المعلِّمُ التلميذَ إلى ما يراه مائلا إليه من العلوم ليتوسّع في دراسته، وهذا بعد استيفاء مباديء العلوم الأساسية، ويدل على هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم فقد روى البخاري عن حذيفة قال [كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشّر مخافة أن يدركني] الحديث. قال ابن حجر في شرحه [قال ابن أبي جمرة: في الحديث حكمة الله في العباد كيف أقام كلا ً منهم فيما شاء، فحبَّب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عمن أراد الله له النجاة، وفيه ِسعة صدرالنبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحِكَم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه، ويؤخذ منه أن كل من حُبِّب إليه شئ فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، حتى خُصَّ بمعرفة

(1) رواه مسلم

(2) (المجموع) ج 1 ص 31

(3) (المجموع) ج 1 ص 34

(4) (المجموع) ج 1 ص 35

(5) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت